محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أنبياءهم ورسل الله إليهم ، اعتداء على الله ، وجراءة عليه بالباطل ، وبغير حق استحقوا منهم القتل . فتأويل الكلام : ألزموا الذلة بأي مكان لقوا ، إلا بذمة من الله وذمة من الناس ، وانصرفوا بغضب من الله متحمليه ، وألزموا ذل الفاقة ، وخشوع الفقر ، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله ، وأدلته وحججه ، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلما واعتداء . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : فعلنا بهم ذلك بكفرهم ، وقتلهم الأنبياء ، ومعصيتهم ربهم ، واعتدائهم أمر ربهم . وقد بينا معنى الاعتداء في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته . فأعلم ربنا جل ثناؤه عباده ، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب ، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا ، مع ما ادخر لهم في الأجل من العقوبة والنكال ، وأليم العذاب ، إذ تعدوا حدود الله ، واستحلوا محارمه ، تذكيرا منه تعالى ذكره لهم ، وتنبيها على موضع البلاء الذي من قبله أتوا لينيبوا ويذكروا ، وعظة منه لأمتنا ، أن لا يستنوا بسنتهم ، ويركبوا منهاجهم ، فيسلك بهم مسالكهم ، ويحل بهم من نقم الله ومثلاته ما أحل بهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اجتنبوا المعصية والعدوان ، فإن بهما أهلك من أهلك قبلكم من الناس القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ . . . يَسْجُدُونَ يعني بقوله جل ثناؤه : لَيْسُوا سَواءً ليس فريقا أهل الكتاب ، أهل الإيمان منهم والكفر سواء ، يعني بذلك : أنهم غير متساوين ، يقول : ليسوا متعادلين ، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد والخير والشر . وإنما قيل : ليسوا سواء ، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده ، المؤمنة منهما والكافرة ، فقال : لَيْسُوا سَواءً أي ليس هؤلاء سواء ، المؤمنون منهم والكافرون . ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم ، وأثنى عليهم بعد ما وصف الفرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع ونخب الجنان ، ومحالفة الذل والصغار ، وملازمة الفاقة والمسكنة ، وتحمل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة ، فقال : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ الآيات الثلاث ، إلى قوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ فقوله : " أمة قائمة " مرفوعة بقوله : " من أهل الكتاب " . وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدمين منهم في صناعتهم ، أن ما بعد سواء في هذا الموضع من قوله : أُمَّةٌ قائِمَةٌ ترجمة عن سواء ، وتفسير عنه بمعنى : لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل ، وأخرى كافرة ، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين ، وهي الأمة القائمة ، ومثلوه بقول أبي ذئيب : عصيت إليها القلب إني لأمرها * سميع فما أدري أرشد طلابها ولم يقل : " أم غير رشد " اكتفاء بقوله : " أرشد " من ذكر " أم غير رشد " . وبقول الآخر : أزال فلا أدري أهم هممته * وذو الهم قدما خاشع متضائل وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل المريد أن يقول : سواء أقمت أم قعدت ، سواء أقمت حتى يقول أم قعدت ، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيا بواحد دون ما كان ناقصا عن ذلك ، وذلك نحو ما أبالي أو ما أدري ، فأجازوا في ذلك ما أبالي أقمت ، وهم يريدون : ما أبالي أقمت أم قعدت ، لاكتفاء ما أبالي بواحد ، وكذلك في ما أدري ، وأبوا الإجازة في سواء من أجل نقصانه ، وأنه غير