محمد بن جرير الطبري

22

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

العالية : وَلا تَفَرَّقُوا لا تعادوا عليه ، يقول : على الإخلاص لله ، وكونوا عليه إخوانا . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، أن الأوزاعي حدثه ، أن يزيد الرقاشي حدثه ، أنه سمع أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة " . قال : فقيل يا رسول الله ، وما هذه الواحدة ؟ قال : فقبض يده وقال : " الجماعة " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا حدثني عبد الكريم بن أبي عمير ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : سمعت الأوزاعي يحدث عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا المحاربي ، عن ابن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطنة المري ، عن عبد الله أنه قال : يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة . حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري ، قال : أخبرنا محمد بن يزيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن ثابت بن قطنة ، قال : سمعت ابن مسعود وهو يخطب ، وهو يقول : يا أيها الناس ، ثم ذكر نحوه . حدثنا إسماعيل بن حفص الآملي ، قال : ثنا عبد الله بن نمير أبو هشام ، قال : ثنا مجالد بن سعيد ، عن عامر ، عن ثابت بن قطنة المري ، قال : قال عبد الله : عليكم بالطاعة والجماعة ، فإنها حبل الله الذي أمر به ثم ذكر نحوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ يعني بقوله جل ثناؤه : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام . واختلف أهل العربية في قوله : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فقال بعض نحويي البصرة في ذلك : انقطع الكلام عند قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، ثم فسر بقوله : فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف ، كما تقول : أمسك الحائط أن يميل . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ تابع قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ غير منقطعة منها . والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ متصل بقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ غير منقطع عنه . وتأويل ذلك : واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء : أي بشرككم ، بقتل بعضكم بعضا ، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله ، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم ، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ كنتم تذابحون فيها ، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام ، فأخى به بينكم ، وألف به بينكم . أما والله الذي لا إله إلا هو ، إن الألفة لرحمة ، وإن الفرقة لعذاب حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً يقتل بعضكم بعضا ، ويأكل شديدكم ضعيفكم ، حتى جاء الله بالإسلام ، فألف به بينكم ، وجمع جمعكم عليه ، وجعلكم عليه إخوانا . فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها ، والعداوة التي كانت بينهم ، التي قال الله عز وجل : إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام ، يزعم العلماء بأيام العرب ، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة ، حتى قام الإسلام وهم على ذلك ، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم ، فلم يسمع بقوم كان