محمد بن جرير الطبري

13

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قد يكون بالمشي وحده ، وإن أعوزه المركب ، وقد يكون بالمركب وغير ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن خالد بن أبي كريمة ، عن رجل ، عن ابن الزبير ، قوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج قال : على قدر القوة . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج قال : الزاد والراحلة ، فإن كان شابا صحيحا ليس له مال ، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضي حجته . فقال له قائل : كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه ؟ والله لا نطلق إليه ولو حبوا كذلك يجب عليه الحج . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن بكر ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : من وجد شيئا يبلغه فقد وجد سبيلا ، كما قال الله عز وجل : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا أبو هانئ ، قال : سئل عامر عن هذه الآية : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج قال : السبيل : ما يسره الله . حدثني محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن : من وجد شيئا يبلغه فقد استطاع إليه سبيلا . وقال آخرون : السبيل إلى ذلك الاستطاعة في الحج : الصحة . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمثنى بن إبراهيم ، قالوا : حدثنا أبو عبد الرحمن المقري ، قال : ثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة ، قالا : أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول في هذه الآية : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج قال : السبيل : الصحة . وقال آخرون بما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله عز وجل : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الاستطاعة في الحج قال : من وجد قوة في النفقة والجسد والحملان ، قال : وإن كان في جسده ما لا يستطيع الحج فليس عليه الحج ، وإن كان له قوة في مال ، كما إذا كان صحيح الجسد ولا يجد مالا ولا قوة ، يقولون : لا يكلف أن يمشي . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، قول من قال بقول ابن الزبير وعطاء ، إن ذلك الاستطاعة في الحج على قدر الطاقة ، لأن السبيل في كلام العرب : الطريق ، فمن كان واجدا طريقا إلى الحج لا مانع له منه من زمانة ، أو عجز ، أو عدو ، أو قلة ماء في طريقه ، أو زاد ، وضعف عن المشي ، فعليه فرض الحج لا يجزيه إلا أداؤه فإن لم يكن واجدا سبيلا ، أعني بذلك : فإن لم يكن مطيقا الحج بتعذر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه ، فهو ممن لا يجد إليه طريقا ، ولا يستطيعه ، لأن الاستطاعة إلى ذلك هو القدرة عليه ، ومن كان عاجزا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك ، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيل . وإنما قلنا هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها ، لأن الله عز وجل لم يخصص إذ ألزم الناس فرض الحج بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية . فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزاد والراحلة ، فإنها أخبار في أسانيدها نظر ، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين . واختلف القراء في قراءة الحج ، فقرأ ذلك جماعة من قراء أهل المدينة والعراق بالكسر : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ، وقرأ ذلك جماعة أخر منهم من قراء أهل المدينة والعراق بالفتح : " ولله على الناس حج البيت " وهما لغتان معروفتان للعرب ، فالكسر لغة أهل نجد ، والفتح لغة أهل العالية ، ولم نر أحدا من أهل العربية ادعى فرقا بينهما في معنى ولا غيره غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين ، إلا ما : حدثنا به أبو هشام الرفاعي ، قال : قال حسين الجعفي : الحج مفتوح : اسم ، والحج مكسور : عمل . وهذا قول لم أر أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه ، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت من أنهما لغتان بمعنى واحد . والذي نقول به في قراءة ذلك ، أن القراءتين إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الإسلام ، ولا اختلاف بينهما في معنى ولا غيره ، فهما قراءتان قد جاءتا مجيء الحجة ، فبأي القراءتين أعني بكسر الحاء من الحج أو فتحها قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته . وأما " من " التي مع قوله : مَنِ اسْتَطاعَ فإنه في موضع