محمد بن جرير الطبري

87

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما حواه الكتاب ، وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك ، كان فصل الحكم بينهم أبين لمن احتكم إليه من الحكام ، مع غير ذلك من الأَسباب ، وهو أعدل عند الله ، لأَنه قد أمر به ، واتباع أمر الله لا شك أنه عند الله أقسط وأعدل من تركه والانحراف عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا يعني جل ثناؤه بقوله : وَأَدْنى وأقرب ، من الدنو : وهو القرب . ويعني بقوله : أَلَّا تَرْتابُوا من أن لا تشكوا في الشهادة . كما : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ذلك أَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا يقول : أن لا تشكوا في الشهادة . وهو تفتعل من الريبة . ومعنى الكلام : ولا تملوا أيها القوم أن تكتبوا الحق الذي لكم قبل من داينتموه من الناس إلى أجل صغيرا كان ذلك الحق ، قليلا أو كثيرا ، فإن كتابكم ذلك أعدل عند الله وأصوب لشهادة شهودكم عليه ، وأقرب لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأَجل إذا كان مكتوبا . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوق التي لهم عليهم ، ما وجب لهم قبلهم من حق عن مبايعة بالنقود الحاضرة يدا بيد ، فرخص لهم في ترك اكتتاب الكتب بذلك ؛ لأَن كل واحد منهم ، أعني من الباعة والمشترين ، يقبض إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقدا ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة ، فلا حاجة لهم في ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتابا بما وجب لهم قبلهم وقد تقابضوا الواجب لهم عليهم ، فلذلك قال تعالى ذكره : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ لا أجل فيها ولا تأخير ولا نساء ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها يقول : فلا حرج عليكم أن لا تكتبوها ، يعني كتابة التجارة الحاضرة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ كتابة التجارة الحاضرة يقول : معكم بالبلد ترونها فتؤخذ وتعطى ، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ إلى قوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها كتابة التجارة الحاضرة قال : أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كثيرا إلى أجله ، وأمر ما كان يدا بيد أن يشهد عليه صغيرا كان أو كبيرا ورخص لهم أن لا يكتبوه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق وعامة القراء : " إلا أن تكون تجارة حاضرة " بالرفع ، وانفرد بعض قراء الكوفيين فقرأه بالنصب . وذلك وإن كان جائزا في العربية ، إذ كانت العرب تنصب النكرات والمنعوتات مع " كان " ، وتضمر معها في " كان " مجهولا ، فتقول : إن كان طعاما طيبا فأتنا به ، وترفعها فتقول : إن كان طعام طيب فأتنا به ، فتتبع النكرة خبرها بمثل إعرابها . فإن الذي اختار من القراءة ، ثم لا أستجيز القراءة بغيره ، الرفع في " التجارة الحاضرة " ، لإِجماع القراء على ذلك ، وشذوذ من قرأ ذلك نصبا عنهم ، ولا يعترض بالشاذ على الحجة . ومما جاء نصبا قول الشاعر : أعيني هل تبكيان عفاقا * إذا كان طعنا بينهم وعناقا وقول الآخر : ولله قومي أي قوم بحرة * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات لما وصفنا من اتباع أخبار النكرات أسماءها ، وكان من حكمها أن