محمد بن جرير الطبري

4

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بها خاص . وإنما معناه : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة لأَهل الكفر بالله ، لأَن أهل ولاية الله والإِيمان به يشفع بعضهم لبعض . وقد بينا صحة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكان قتادة يقول في ذلك بما : حدثنا به بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ قد علم الله أن ناسا يتحابون في الدنيا ، ويشفع بعضهم لبعض ، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين . وأما قوله : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ فإنه يعني تعالى ذكره بذلك : والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون . يقول : هم الواضعون جحودهم في غير موضعه ، والفاعلون غير ما لهم فعله ، والقائلون ما ليس لهم قوله . وقد دللنا على معنى الظلم بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . وفي قوله تعالى ذكره في هذا الموضع : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ دلالة واضحة على صحة ما قلناه ، وأن قوله : وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ إنما هو مراد به أهل الكفر ؛ فلذلك أتبع قوله ذلك : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ فدل بذلك على أن معنى ذلك : حرمنا الكفار النصرة من الأَخلاء ، والشفاعة من الأَولياء والأَقرباء ، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين ، إذ كان ذلك جزاء منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا ، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأَفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم . فإن قال قائل : وكيف صرف الوعيد إلى الكفار والآية مبتدأة بذكر أهل الإِيمان ؟ قيل له : إن الآية قد تقدمها ذكر صنفين من الناس : أحدهما أهل كفر ، والآخر أهل إيمان ، وذلك قوله : وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ثم عقب الله تعالى ذكره الصنفين بما ذكرهم به ، يحض أهل الإِيمان به على ما يقربهم إليه من النفقة في طاعته وفي جهاد أعدائه من أهل الكفر به قبل مجيء اليوم الذي وصف صفته وأخبر فيه عن حال أعدائه من أهل الكفر به ، إذ كان قتال أهل الكفر به في معصيته ونفقتهم في الصد عن سبيله ، فقال تعالى ذكره : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا أنتم مِمَّا رَزَقْناكُمْ في طاعتي ، إذ كان أهل الكفر بي ينفقون في معصيتي ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ فيدرك أهل الكفر فيه ابتياع ما فرطوا في ابتياعه في دنياهم ، وَلا خُلَّةٌ لهم يومئذ تنصرهم مني ، ولا شافع لهم يشفع عندي فتنجيهم شفاعته لهم من عقابي ؛ وهذا يومئذ فعلي بهم جزاء لهم على كفرهم ، وهم الظالمون أنفسهم دوني ، لأَني غير ظلام لعبيدي . وقد : حدثني محمد بن عبد الرحيم ، قال : ثني عمرو بن أبي سلمة ، قال : سمعت عمر بن سليمان ، يحدث عن عطاء بن دينار أنه قال : الحمد لله الذي قال : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل : " الظالمون هم الكافرون " القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قد دللنا فيما مضى على تأويل قوله : " الله " . وأما تأويل قوله : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإن معناه : النهي عن أن يعبد شيء غير الله الحي القيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالى ذكره في هذه الآية . يقول : " الله " الذي له عبادة الخلق " الحي القيوم " ، لا إله سواه ، لا معبود سواه ، يعني : ولا تعبدوا شيئا سوى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، والذي صفته ما وصف في هذه الآية . وهذه الآية إبانة من الله تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله عما جاءت به أقوال المختلفين في البينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالى ذكره أنه فضل بعضهم على بعض ، واختلفوا فيه ، فاقتتلوا فيه كفرا به من بعض ، وإيمانا به من بعض . فالحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإِقرار به وأما قوله : الْحَيُّ فإنه يعني : الذي له الحياة الدائمة ، والبقاء الذي لا أول له يحد ، ولا آخر له يؤمد ، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود وآخر ممدود ، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها . وبما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال :