محمد بن جرير الطبري
74
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ قال : الإِعسار هذا في الربا . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن منصور ، عن إبراهيم في الرجل يتزوج إلى الميسرة ، قال : إلى الموت أو إلى فرقة الإِعسار . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ . قال : ذلك في الربا . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا مندل ، عن ليث ، عن مجاهد : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ الإِعسار . قال : يؤخره ولا يزد عليه ، وكان إذا حل دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه زاد عليه وأخره . وحدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا مندل ، عن ليث ، عن مجاهد : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ الإِعسار قال : يؤخره ولا يزد عليه . وقال آخرون : هذه الآية عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أي وجهة كان ذلك الحق من دين حلال أو ربا الإِعسار . ذكر من قال ذلك : حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، قال : من كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة الإِعسار ، وأن تصدقوا خير لكم ؛ قال : وكذلك كل دين على مسلم ، فلا يحل لمسلم له دين على أخيه يعلم منه عسرة أن يسجنه ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه ، وإنما جعل النظرة في الحلال فمن أجل ذلك كانت الديون على ذلك . حدثني علي بن حرب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ الإِعسار قال : نزلت في الدين . والصواب من القول في قوله : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ أنه معني به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهم عليهم ديون قد أربوا فيها في الجاهلية ، فأدركهم الإِسلام قبل أن يقبضوها منهم ، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا ، وبقبض رؤوس أموالهم ، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا ، وإنظار من كان منهم معسرا برءوس أموالهم إلى ميسرتهم الإِعسار . فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له ، فإن الإِسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قبل الربا ، ويلزمه أداء رأس ماله الذي كان أخذ منه ، أو لزمه من قبل الإِرباء إليه إن كان موسرا ، وإن كان معسرا كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته ، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه . غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا وإياهم عنى بها ، فإن الحكم الذي حكم الله به من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه ، وهو بقضائه معسر في أنه منظر إلى ميسرته ، لأَن دين كل ذي دين في مال غريمه وعلى غريمه قضاؤه منه لا في رقبته ، فإذا عدم ماله ، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع ، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون في رقبة غريمه ، أو في ذمته يقضيه من ماله ، أو في مال له بعينه ؛ فإن يكن في مال له بعينه ، فمتى بطل ذلك المال وعدم ، فقد بطل دين رب المال ، وذلك ما لا يقوله أحد ويكون في رقبته ، فإن يكن كذلك فمتى عدمت نفسه ، فقد بطل دين رب الدين ، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك ، وذلك أيضا لا يقوله أحد ، فقد تبين إذ كان ذلك كذلك أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله ، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته ، لأَنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا ، وإذا لم يكن على رقبته سبيل لم يكن إلى حبسه بحقه وهو معدوم سبيل ، لأَنه غير مانعه حقا له إلى قضائه سبيل ، فيعاقب بظلمه إياه بالحبس . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يعني جل وعز بذلك : وأن تتصدقوا برءوس أموالكم على هذا المعسر ، خير لكم أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته لتقبضوا رؤوس أموالكم منه إذا أيسر ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ موضع الفضل في الصدقة ، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم :