محمد بن جرير الطبري
61
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ الآية . قال : الحكمة : هي النبوة . وقد بينا فيما مضى معنى الحكمة ، وأنها مأخوذة من الحكم وفصل القضاء ، وأنها الإِصابة بما دل على صحته ، فأغنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع . فإذا كان ذلك كذلك معناه ، كان جميع الأَقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك داخلا فيما قلنا من ذلك ، لأَن الإِصابة في الأَمور إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة . وإذا كان ذلك كذلك كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره فهما خاشيا لله فقيها عالما ، وكانت النبوة من أقسامه ، لأَن الأَنبياء مسددون مفهمون ، وموفقون لإِصابة الصواب في بعض الأَمور ، والنبوة بعض معاني الحكمة . فتأويل الكلام : يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء ، ومن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرا كثيرا . القول في تأويل قوله تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ . يعني بذلك جل ثناؤه : وما يتعظ بما وعظ به ربه في هذه الآيات التي وعظ فيها المنفقين أموالهم بما وعظ به غيرهم فيها ، وفي غيرها من آي كتابه ، فيذكر وعده ووعيده فيها ، فينزجر عما زجره عنه ربه ، ويطيعه فيما أمره به ، إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ، يعني : إلا أولوا العقول الذين عقلوا عن الله عز وجل أمره ونهيه . فأخبر جل ثناؤه أن المواعظ غير نافعة إلا أولي الحجا والحلوم ، وأن الذكرى غير ناهية إلا أهل النهي والعقول . القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني بذلك جل ثناؤه : وأي نفقة أنفقتم ، يعني أي صدقة تصدقتم ، أو أي نذر نذرتم ؛ يعني بالنذر : ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله ، وتقربا به إليه ، من صدقة أو عمل خير ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أي أن جميع ذلك بعلم الله ، لا يعزب عنه منه شيء ، ولا يخفى عليه منه قليل ولا كثير ، ولكنه يحصيه أيها الناس عليكم حتى يجازيكم جميعكم على جميع ذلك ، فمن كانت نفقته منكم وصدقته ونذره ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من نفسه ، جازاه بالذي وعده من التضعيف ؛ ومن كانت نفقته وصدقته رياء الناس ونذروه للشيطان جازاه بالذي أوعده من العقاب وأليم العذاب . كالذي : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ويحصيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياء ونذوره طاعة للشيطان ، فقال : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني : وما لمن أنفق ماله رياء الناس وفي معصية الله ، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته ، مِنْ أَنْصارٍ . وهم جمع نصير ، كما الأَشراف جمع شريف . ويعني بقوله : مِنْ أَنْصارٍ من ينصرهم من الله يوم القيامة ، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش ولا بفدية . وقد دللنا على أن الظالم : هو الواضع للشيء في غير موضعه . وإنما سمى الله المنفق رياء الناس ، والناذر في غير طاعته ظالما ، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه ونذره في غير ماله وضعه فيه ، فكان ذلك ظلمه . فإن قال لنا قائل : فكيف قال : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ولم يقل : يعلمهما ، وقد ذكر النذر والنفقة ؟ قيل : إنما قال : فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ لأَنه أراد : فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم ، فلذلك وحد الكناية . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني بقوله جل ثناؤه إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه ، فَنِعِمَّا هِيَ يقول : فنعم الشيء هي . وَإِنْ تُخْفُوها يقول : وإن تستروها فلم تعلنوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ يعني : وتعطوها الفقراء في السر ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها . وذلك إعلان الصدقة في صدقة التطوع . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ