محمد بن جرير الطبري
51
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير ، لا يغني عنها شيئا ، وولده صغار لا يغنون عنها شيئا ، وكذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، قال : سأل عمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحدا يشفيه ، حتى قال ابن عباس وهو خلفه : يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئا ، قال : فتلفت إليه ، فقال : تحول هاهنا لم تحقر نفسك ؟ قال : هذا مثل ضربه الله عز وجل فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة ، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره ، واقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله فحرقه أحوج ما كان إليه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن محمد بن سليم ، عن ابن أبي مليكة : أن عمر تلا هذه الآية : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ قال : هذا مثل ضرب لإِنسان يعمل عملا صالحا ، حتى إذا كان عنده آخر عمره أحوج ما يكون إليه ، عمل عمل السوء . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج ، قال : سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يخبر عن عبيد بن عمير أنه سمعه يقول : سأل عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : فيم ترون أنزلت أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ؟ فقالوا : الله أعلم فغضب عمر ، فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين . فقال عمر : قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . قال عمر : أي عمل ؟ قال : لعمل . فقال عمر : رجل عني بعمل الحسنات ، ثم بعث الله له الشيطان ، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها قال : وسمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث نحو هذا عن ابن عباس ، سمعه منه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يخبر أنه سمع عبيد بن عمير ، قال : ابن جريج : وسمعت عبد الله بن أبي مليكة ، قال : سمعت ابن عباس ، قالا جميعا : إن عمر بن الخطاب سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه ، إلا أنه قال عمر : للرجل يعمل بالحسنات ، ثم يبعث له الشيطان فيعمل بالمعاصي . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عنها . ثم قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قالا : ضربت مثلا للأَعمال . قال ابن جريج : وقال ابن عباس : ضربت مثلا للعمل يبدأ فيعمل عملا صالحا ، فيكون مثلا للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأَنهار ، له فيها من كل الثمرات ، ثم يسيء في آخر عمره ، فيتمادى على الإِساءة حتى يموت على ذلك ، فيكون الإِعصار الذي فيه النار التي أحرقت الجنة ، مثلا لإِساءته التي مات وهو عليها . قال ابن عباس : الجنة عيشه وعيش ولده فاحترقت ، فلم يستطع أن يدفع عن جنته من أجل كبره ، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن جنتهم من أجل صغرهم حتى احترقت . يقول : هذا مثله تلقاه وهو أفقر ما كان إلي ، فلا يجد له عندي شيئا ، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئا ، ولا يستطيع من كبره وصغر أولاده أن يعملوا جنة ، كذلك لا توبة إذا انقطع العمل حين مات . قال ابن جريج ، عن مجاهد : سمعت ابن عباس قال : هو مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت . قال ابن جريج وقال مجاهد : أيود أحدكم أن تكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله ، كمثل هذا الذي له جنة ، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئا وأولاده صغار ولا يغنون عنه شيئا ، وكذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . الآية . يقول : أصابها ريح فيها سموم شديدة ، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ، فهذا مثل . فاعقلوا عن الله جل وعز أمثاله ، فإنه