محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أكلا ، وأكلت أكلة واحدة ، كما قال الشاعر : وما أكلة أكلتها بغنيمة * ولا جوعة إن جعتها بغرام ففتح الأَلف لأَنها بمعنى الفعل . ويدلك على أن ذلك كذلك قوله : " ولا جوعة " ، وإن ضمت الأَلف من " الأَكلة " كان معناه : الطعام الذي أكلته ، فيكون معنى ذلك حينئذ : ما طعام أكلته بغنيمة . وأما قوله : فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فإن الطل : هو الندى واللين من المطر . كما : حدثنا عباس بن محمد ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : فَطَلٌّ ندى . عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أما الطل : فالندى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي طش . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك : فَطَلٌّ قال : الطل : الرذاذ من المطر ، يعني اللين منه . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَطَلٌّ أي طش . وإنما يعني تعالى ذكره بهذا المثل كما ضعفت ثمرة هذه الجنة التي وصفت صفتها حين جاد الوابل فإن أخطأ هذا الوابل فالطل كذلك يضعف الله صدقة المتصدق والمنفق ماله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من نفسه من غير من ولا أذى ، قلت نفقته أو كثرت لا تخيب ولا تخلف نفقته ، كما تضعف الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها قل ما أصابها من المطر أو كثر لا يخلف خيرها بحال من الأَحوال . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ يقول : كما أضعفت ثمرة تلك الجنة ، فكذلك تضاعف ثمرة هذا المنفق ضعفين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن ، يقول : ليس لخيره خلف ، كما ليس لخير هذه الجنة خلف على أي حال ، إما وابل ، وإما طل . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ . الآية ، قال : هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن . فإن قال قائل : وكيف قيل : فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وهذا خبر عن أمر قد مضى ؟ قيل : يراد فيه : كان ، ومعنى الكلام : فآتت أكلها ضعفين ، فإن لم يكن الوابل أصابها ، أصابها طل ، وذلك في الكلام نحو قول القائل : حبست فرسين ، فإن لم أحبس اثنين فواحدا بقيمته ، بمعنى : إلا أكن ، لا بد من إضمار " كان " ، لأَنه خبر ؛ ومنه قول الشاعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقري بها بدا القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . يعني بذلك : والله بما تعملون أيها الناس في نفقاتكم التي تنفقونها بصير ، لا يخفي عليه منها ولا من أعمالكم فيها وفي غيرها شيء يعلم من المنفق منكم بالمن والأَذى والمنفق ابتغاء مرضاة الله ، وتثبيتا من نفسه ، فيحصي عليكم حتى يجازي جميعكم جزاءه على عمله ، إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا . وإنما يعني بهذا القول جل ذكره ، التحذير من عقابه في النفقات التي ينفقها عباده ، وغير ذلك من الأَعمال أن يأتي أحد من خلقه ما قد تقدم فيه بالنهي عنه ، أو يفرط فيما قد أمر به ، لأَن ذلك بمرأى من الله ومسمع ، يعلمه ويحصيه عليهم ، وهو لخلقه بالمرصاد . القول في تأويل قوله تعالى : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ