محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
موسى ، عن الشعبي : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : تصديقا ويقينا . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي موسى ، عن الشعبي : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : وتصديقا من أنفسهم ثبات ونصرة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : يقينا من أنفسهم . قال : التثبيت اليقين . حدثني يونس ، قال : ثنا علي بن معبد ، عن أبي معاوية ، عن إسماعيل ، عن أبي صالح في قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يقول : يقينا من عند أنفسهم . وقال آخرون : معنى قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أنهم كانوا يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن عثمان بن الأَسود ، عن مجاهد : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ فقلت له : ما ذلك التثبيت ؟ قال : يتثبتون أين يضعون أموالهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن عثمان بن الأَسود ، عن مجاهد : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : كانوا يتثبتون أين يضعونها . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن علي بن علي بن رفاعة ، عن الحسن في قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم ، يعني زكاتهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن علي بن علي ، قال : سمعت الحسن قرأ : ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان لله مضى ، وإن خالطه شك أمسك . وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة ، وذلك أنهم تأولوا قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ بمعنى : وتثبتا ، فزعموا أن ذلك إنما قيل كذلك لأَن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم . ولو كان التأويل كذلك ، لكان : وتثبتا من أنفسهم ؛ لأَن المصدر من الكلام إن كان على تفعلت التفعل ، فيقال : تكرمت تكرما ، وتكلمت تكلما ، وكما قال جل ثناؤه : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ من قول القائل : تخوف فلان هذا الأَمر تخوفا . فكذلك قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ لو كان من تثبت القوم في وضع صدقاتهم مواضعها لكان الكلام : " وتثبتا من أنفسهم " ، لا " وتثبيتا " ، ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه وتثبيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عز وجل : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ولم يقل : تبتلا ؟ قيل : إن هذا مخالف لذلك ، وذلك أن هذا إنما جاز أن يقال فيه : " تبتيلا " لظهور " وتبتل إليه " ، فكان في ظهوره دلالة على متروك من الكلام الذي منه قيل : تبتيلا ، وذلك أن المتروك هو : " تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلا " ، وقد تفعل العرب مثل ذلك أحيانا تخرج المصادر على غير ألفاظ الأَفعال التي تقدمتها إذا كانت الأَفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه ، كما قال جل وعز : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً وقال : وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً والنبات : مصدر نبت ، وإنما جاز ذلك لمجيء أنبت قبله ، فدل على المتروك الذي منه قيل نباتا ، والمعنى : والله أنبتكم فنبتم من الأَرض نباتا . وليس قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كلاما يجوز أن يكون متوهما به أنه معدول عن بنائه . ومعنى الكلام : ويتثبتون في وضع الصدقات مواضعها ، فيصرف إلى المعاني التي صرف إليها قوله : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأَفعال التي هي ظاهرة قبلها . وقال آخرون : معنى قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ احتسابا من أنفسهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يقول : احتسابا من أنفسهم . وهذا القول معنى قوله : وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ احتسابا من أنفسهم أيضا بعيد المعنى من