محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والأَذى ، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله رِئاءَ النَّاسِ ، وهو مراءاته إياهم بعمله ؛ وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه وهو مريد به غير الله ولا طالب منه الثواب وإنما ينفقه كذلك ظاهرا ليحمده الناس عليه فيقولوا : هو سخي كريم ، وهو رجل صالح ، فيحسنوا عليه به الثناء وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق ، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الآخر . وأما قوله : وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإن معناه : ولا يصدق بوحدانية الله وربوبيته ، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازى على عمله ، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده . وهذه صفة المنافق ؛ وإنما قلنا إنه منافق ، لأَن المظهر كفره والمعلن شركه معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا ، لأَن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه ، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنا كفره لا لله ، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيا بأعماله . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال أبو هانئ الخولاني ، عن عمرو بن حريث ، قال : إن الرجل يغزو ، لا يسرق ولا يزني ، ولا يغل ، لا يرجع بالكفاف فقيل له : لم ذاك ؟ قال : فإن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه سبب ولعن إمامه ، ولعن ساعة غزا ، وقال : لا أعود لغزوة معه أبدا فهذا عليه ، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها من وأذى ، فقد ضرب الله مثلها في القرآن : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى حتى ختم الآية . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يعني تعالى ذكره بذلك : فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر . والهاء في قوله : فَمَثَلُهُ عائدة على " الذي " . كَمَثَلِ صَفْوانٍ والصفوان واحد وجمع ، فمن جعله جمعا فالواحدة صفوانة بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل ، ومن جعله واحدا جمعه صفوان وصفي وصفي ، كما قال الشاعر : مواقع الطير على الصفي والصفوان هو الصفا ، وهي الحجارة الملس . وقوله : عَلَيْهِ تُرابٌ يعني على الصفوان تراب ، فَأَصابَهُ يعني أصاب الصفوان ، وابِلٌ وهو المطر الشديد العظيم ، كما قال امرؤ القيس : ساعة ثم انتحاها وابل * ساقط الأَكناف واه منهمر يقال منه : وبلت السماء فهي تبل وبلا ، وقد وبلت الأَرض فهي توبل . وقوله : فَتَرَكَهُ صَلْداً يقول : فترك الوابل الصفوان صلدا ؛ والصلد من الحجارة : الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره ، وهو من الأَرضين ما لا ينبت فيه شيء ، وكذلك من الرؤوس ، كما قال رؤبة : لما رأتني خلق المموة * براق أصلاد الجبين الأَجله ومن ذلك يقال للقدر الثخينة البطيئة الغلي : قدر صلود ، وقد صلدت تصلد صلودا ، ومنه قول تأبط شرا : ولست بجلب جلب ليل وقرة * ولا بصفا صلد عن الخير معزل ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثل لأَعمالهم ، فقال : فكذلك أعمالهم بمنزلة الصفوان