محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على الهجرة ، ورابط مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ولم يلق وجها إلا بإذنه ، كانت الحسنة له بسبعمائة ضعف ، ومن بايع على الإِسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها . فإن قال قائل : وهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة أو بلغتك فضرب بها المثل المنفق في سبيل الله ماله ؟ قيل : إن يكن ذلك موجودا فهو ذاك ، وإلا فجائز أن يكون معناه : كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ، إن جعل الله ذلك فيها . ويحتمل أن يكون معناه : في كل سنبلة مائة حبة ؛ يعني أنها إذا هي بذرت أنبتت مائة حبة ، فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبة مضافا إليها لأَنه كان عنها . وقد تأول ذلك على هذا الوجه بعض أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ قال : كل سنبلة أنبتت مائة حبة ، فهذا لمن أنفق في سبيل الله ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ . فقال بعضهم : الله يضاعف لمن يشاء من عباده أجر حسناته بعد الذي أعطى المنفق في سبيله من التضعيف الواحدة سبعمائة . فأما المنفق في غير سبيله ، فلا نفقة ما وعده من تضعيف السبعمائة بالواحدة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : هذا يضاعف لمن أنفق في سبيل الله ، يعني السبعمائة ؛ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يعني لغير المنفق في سبيله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : والله يضاعف لمن يشاء من المنفقين في سبيله على السبعمائة إلى ألفي ألف ضعف . وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده فتركت ذكره . والذي هو أولى بتأويل قوله : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ والله يضاعف على السبعمائة إلى ما يشاء من التضعيف لمن يشاء من المنفقين في سبيله ؛ لأَنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق في سبيل الله فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره في هذه الآية من التضعيف إلى أنه عدة منه على العمل على غير النفقة في سبيل الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ . يعني تعالى ذكره بذلك : والله واسع أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده ، عليم من يستحق منهم الزيادة . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ قال : واسع أن يزيد من سعته ، عليم عالم بمن يزيده . وقال آخرون : معنى ذلك : والله واسع لتلك الأَضعاف ، عليم بما ينفق الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً يعني تعالى ذكره بذلك : المعطي ماله المجاهدين في سبيل الله معونة لهم على جهاد أعداء الله . يقول تعالى ذكره : الذين يعينون المجاهدين في سبيل الله بالإِنفاق عليهم وفي حمولاتهم ، وغير ذلك من مؤنهم ، ثم لم يتبع نفقته التي أنفقها عليهم منا عليهم بإنفاق ذلك عليهم ولا أذى لهم ؛ فامتنانه به عليهم بأن يظهر لهم أنه قد اصطنع إليهم بفعله ، وعطائه الذي أعطاهموه ، تقوية لهم على جهاد عدوهم معروفا ، ويبدي ذلك إما بلسان أو فعل . وأما الأَذى فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقواهم من النفقة في سبيل الله أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد ، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذي به من أنفق عليه . وإنما شرط ذلك في المنفق في سبيل الله ، وأوجب الأَجر لمن كان غير مان ولا مؤذ من أنفق عليه في سبيل الله ، لأَن النفقة التي هي في سبيل الله مما