محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الله الروح في بصره وفي لسانه ، ثم قال : ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح ، وانظر ببصرك قال : فكان ينظر إلى الجمجمة ، قال : فنادى : ليلحق كل عظم بأليفه ، قال : فجاء كل عظم إلى صاحبه ، حتى اتصلت وهو يراها ، حتى أن الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه ، فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته ، وهو يرى ذلك . فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق ، وأجرى عليها اللحم والجلد ، ثم نفخ فيها الروح ، ثم قال : انظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما فلما تبين له ذلك قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . قال : ثم أمر فنادى تلك العظام التي قال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها كما نادى عظام نفسه ، ثم أحياها الله كما أحياه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني بكر بن مضر ، قال : يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات إرميا مائة عام ، ثم بعثه ، فإذا حماره حي قائم على رباطه . قال : ورد الله إليه بصره وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة ، ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله . قال : فيقولون والله أعلم : إنه الذي قال الله تعالى ذكره : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ الآية . ومعنى الآية على تأويل هؤلاء وقال آخرون : بل جعل الله الروح في رأسه وبصره وجسده ميتا ، فرأى : وانظر إلى حمارك ، ولنجعلك آية للناس ، وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها ، ثم نكسوها لحما ، فنحييها بحياتك ، فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها . وأولى الأَقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال : إن الله تعالى ذكره بعث قائل أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها من مماته ، ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره ، فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاويه على عروشها ، وحمل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها ، وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل . وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لأَن قوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ إنما هو بمعنى : وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها ، ثم نكسوها لحما ، وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب ، فلم يمكن صرف معنى قوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها ، ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره ، كان الأَولى بالتأويل أن يكون الأَمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه لأَن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يعني تعالى ذكره بذلك : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ أمتناك مائة عام ثم بعثناك . وإنما أدخلت الواو مع اللام التي في قوله : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وهو بمعنى " كي " ، لأَن في دخولها في كي وأخواتها دلالة على أنها شرط لفعل بعدها ، يعني : ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك ، ولو لم تكن قبل اللام أعني لام كي واو كانت اللام شرطا للفعل الذي قبلها ، وكان يكون معناه : وانظر إلى حمارك ، لنجعلك آية للناس . وإنما عنى بقوله : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي ، وشك في عظمتي ، وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء ، وإنشاء ، وإنعام وإذلال ، وإقتار وإغناء ، بيدي ذلك كله ، لا يملكه أحد دوني ، ولا يقدر عليه غيري . وكان بعض أهل التأويل يقول : كان آية للناس بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده شابا وهم شيوخ . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، عن سفيان ، قال : سمعت الأَعمش يقول : وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ قال : جاء شابا وولده شيوخ . وقال آخرون : معنى ذلك أنه جاء وقد هلك من يعرفه ، فكان آية لمن قدم عليه