محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا طريف بن تمام العطاردي ، أنه دخل على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل فلم يسأله ، فلما فرغ قال : إنه وجعت إصبعي هذه . والصواب من القول في ذلك عندنا ، أن المرض الذي أذن الله تعالى ذكره بالإِفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهدا غير محتمل ، فكل من كان كذلك فله الإِفطار وقضاء عدة من أيام أخر وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأَمر ، فإن لم يكن مأذونا له في الإِفطار فقد كلف عسرا ومنع يسرا ، وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بخلقه بقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وأما من كان الصوم غير جاهده ، فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم ، فعليه أداء فرضه . وأما قوله : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ فإن معناها : أيام معدودة سوى هذه الأَيام . وأما الأَخر فإنها جمع أخرى بجمعهم الكبرى على الكبر والقربى على القرب . فإن قال قائل : أو ليست الأَخر من صفة الأَيام ؟ قيل : بلى فإن قال : أوليس واحد الأَيام يوم وهو مذكر ؟ قيل : بلى . فإن قال : فكيف يكون واحد الأَخر أخرى وهي صفة لليوم ولم يكن آخر ؟ قيل : إن واحد الأَيام وإن كان إذا نعت بواحد الأَخر فهو آخر ، فإن الأَيام في الجمع تصير إلى التأنيث فتصير نعوتها وصفاتها كهيئة صفات المؤنث ، كما يقال : مضت الأَيام جمع ، ولا يقال : أجمعون ، ولا أيام آخرون . فإن قال لنا قائل : فإن الله تعالى قال : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ومعنى ذلك عندك : فعليه عدة من أيام أخر كما قد وصفت فيما مضى . فإن كان ذلك تأويله ، فما قولك فيمن كان مريضا أو على سفر فصام الشهر وهو ممن له الإِفطار ، أيجزيه ذلك من صيام عدة من أيام أخر ، أو غير مجزيه ذلك ؟ وفرض صوم عدة من أيام أخر ثابت عليه بهيئته وإن صام الشهر كله ، وهل لمن كان مريضا أو على سفر صيام شهر رمضان ، أم ذلك محظور عليه ، وغير جائز له صومه ، والواجب عليه الإِفطار فيه حتى يقيم هذا ويبرأ هذا ؟ قيل : قد اختلف أهل العلم في كل ذلك ، ونحن ذاكرو اختلافهم في ذلك ، ومخبرون بأولاه بالصواب إن شاء الله . فقال بعضهم : الإِفطار في المرض عزمة من الله واجبة ، وليس بترخيص . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية جميعا ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس ، قال : الإِفطار في السفر عزمة . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا وهب بن جرير ، قال : أخبرنا سعيد ، عن يعلى ، عن يوسف بن الحكم ، قال : سألت ابن عمر ، أو سئل عن الصوم في السفر ، فقال : أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك ألم تغضب ؟ فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم . حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأَزدي ، قال : ثنا المحاربي عن عبد الملك بن حميد ، قال : قال أبو جعفر كان أبي أب أبو جعفر لا يصوم في السفر وينهى عنه . وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك : أنه كره الصوم في السفر . وقال أهل هذه المقالة : من صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام . ذكر من قال ذلك : حدثنا نصر بن علي الخثعمي ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم قال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، عن أبيه ، عن رجل : أن عمر أمر الذي صام في السفر أن يعيد . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن أبي عدي ، عن سعيد بن عمرو بن دينار ، عن رجل من بني تميم عن أبيه رجل من بني تميم ، قال : أمر عمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه . حدثني ابن حميد الحمصي ، قال : ثنا علي بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم ، عن عطاء ، عن المحرر بن أبي هريرة ، قال : كنت مع أبي أبي هريرة في سفر في رمضان ، فكنت أصوم ويفطر ، فقال لي أبي : أما إنك إذا أقمت قضيت . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا سليمان بن داود ، قال : ثنا شعبة ، عن عاصم مولى قريبة ، قال : سمعت عروة يأمر رجلا صام في السفر أن يقضي . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الصمد ، قال : ثنا شعبة ، عن عاصم مولى قريبة أن رجلا صام في السفر فأمره عروة أن يقضي . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن صبيح ، قال : ثنا ربيعة بن كلثوم ، عن أبيه كلثوم : أن قوما قدموا على عمر بن الخطاب وقد صاموا رمضان في سفر ، فقال لهم : والله لكأنكم كنتم تصومون فقالوا : والله يا أمير المؤمنين لقد صمنا ، قال : فأطقتموه ؟ قالوا : نعم ، قال : فاقضوه فاقضوه فاقضوه . وعلة من قال هذه المقالة فقال بعضهم : الإِفطار في المرض عزمة أن الله تعالى ذكره فرض بقوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ صوم شهر رمضان على من شهده مقيما غير مسافر ، وجعل على من كان مريضا أو مسافرا صوم عدة من أيام أخر غير أيام شهر رمضان