محمد بن جرير الطبري

84

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

آخر . وقال آخرون : معنى ذلك : فمن تطوع خيرا فصام مع الفدية . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ يريد أن من صام مع الفدية فهو خير له . وقال آخرون : معنى ذلك : فمن تطوع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد طعاما فهو خير له . والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره عمم بقوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض ، فإن جمع الصوم مع الفدية من تطوع الخير وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوع الخير . وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً أي هذه المعاني تطوع به المفتدي من صومه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ لأَن كل ذلك من تطوع الخير ونوافل الفضل . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَأَنْ تَصُومُوا ما كتب عليكم من شهر رمضان فهو خير لكم من أن تفطروه وتفتدوا . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ومن تكلف الصيام فصامه فهو خير له . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثني الليث قال : حدثني يونس ، عن ابن شهاب : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي أن الصيام خير لكم من الفدية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ . وأما قوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فإنه يعني : إن كنتم تعلمون خير الأَمرين لكم أيها الذين آمنوا من الإِفطار والفدية أو الصوم على ما أمركم الله به . القول في تأويل قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي قال أبو جعفر : الشهر فيما قيل أصله من الشهرة ، يقال منه : قد شهر فلان سيفه إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه ، يشهره شهرا ذلك شهر الشهر إذا طلع هلاله ، وأشهرنا نحن إذا دخلنا في الشهر . وأما رمضان فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمى بذلك لشدة الحر الذي كان يكون فيه حتى ترمض فيه الفصال كما يقال للشهر الذي يحج فيه ذو الحجة ، والذي يرتبع فيه ربيع الأَول وربيع الآخر . وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان ويقول : لعله اسم من أسماء الله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن مجاهد أنه كره أن يقال رمضان ، ويقول : لعله اسم من أسماء الله ، لكن نقول كما قال الله : شَهْرُ رَمَضانَ وقد بينت فيما مضى أن " شهر " مرفوع على قوله : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ، هن شهر رمضان ، وجائز أن يكون رفعه بمعنى ذلك شهر رمضان ، وبمعنى كتب عليكم شهر رمضان . وقد قرأه بعض القراء : " شهر رمضان " نصبا ، بمعنى : كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهر رمضان . وقرأه بعضهم نصبا بمعنى أن تصوموا شهر رمضان خير لكم إن كنتم تعلمون وقد يجوز أيضا نصبه على وجه الأَمر بصومه كأنه قيل : شهر رمضان فصوموه ، وجائز نصبه على الوقت كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في شهر رمضان . وأما قوله ، الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فإنه ذكر أنه نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ، ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنزاله إليه . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن الأَعمش ، عن حسان بن أبي الأَشرس عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان ، فجعل في بيت العزة . قال أبو كريب : حدثنا أبو بكر ، وقال ذلك السدي . حدثني عيس بن عثمان ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن الأَعمش ، عن حسان ، عن سعيد بن جبير ، قال : نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان ، فجعل في سماء الدنيا . حدثنا أحمد بن منصور ، قال : ثنا عبد الله بن رجاء ، قال : ثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن ابن أبي المليح عن واثلة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، وأنزل الإِنجيل لثلاث عشرة خلت ، وأنزل القرآن لأَربع وعشرين من رمضان " . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ