محمد بن جرير الطبري

71

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ الخير المال و أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي المال فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً المال إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ المال . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ أي مالا . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ أما خيرا فالمال . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِنْ تَرَكَ خَيْراً قال إن ترك مالا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج عن عكرمة ، عن ابن عباس قوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً قال : الخير : المال . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرني ابن المبارك ، عن الحسن بن يحيى ، عن الضحاك في قوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ قال : المال ، ألا ترى أنه يقول : قال شعيب لقومه : إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يعني الغني . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا محمد بن عمرو اليافعي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً قال عطاء : الخير فيما يرى المال . ثم اختلفوا في مبلغ المال الذي إذا تركه الرجل كان ممن لزمه حكم هذه الآية ، فقال بعضهم : ذلك ألف درهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا همام بن يحيى ، عن قتادة في هذه الآية : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ قال : الخير : ألف فما فوقه . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، قال : أخبرنا هشام بن عروة ، عن عروة : أن علي بن أبي طالب دخل على ابن عم له يعوده ، فقال : إني أريد أن أوصي ، فقال علي : لا توص فإنك لم تترك خيرا فتوصي قال : وكان ترك من السبعمائة إلى تسعمائة . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : حدثني عثمان بن الحكم الحزامي وابن أبي الزناد عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن علي بن أبي طالب : أنه دخل على رجل مريض ، فذكر له الوصية ، فقال : لا توص إنما قال الله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً وأنت لم تترك خيرا . قال ابن أبي الزناد فيه : فدع مالك لبنيك . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن منصور بن صفية ، عن عبد الله بن عيينة أو عتبة ، الشك مني : أن رجلا أراد أن يوصي وله ولد كثير ، وترك أربعمائة دينار ، فقالت عائشة : ما أرى فيه فضلا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة قال : دخل علي أبن أبي طالب على مولى لهم في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم ، فقال : ألا أوصي ؟ فقال : لا ، إنما قال الله إِنْ تَرَكَ خَيْراً وليس لك كثير مال . وقال بعضهم : ذلك ما بين الخمسمائة درهم إلى الأَلف . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة ، عن أبان بن إبراهيم النخعي في قوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً قال : ألف درهم إلى خمسمائة . وقال بعضهم : الوصية واجبة من قليل المال وكثيره . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : جعل الله الوصية مما قل منه أو كثر . وأولى هذه الأَقوال بالصواب في تأويل قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ ما قال الزهري ؛ لأَن قليل المال وكثيره يقع عليه خير ، ولم يحد الله ذلك بحد ولا خص منه شيئا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن ، فكل من حضرته منيته وعنده مال قل ذلك أو كثر فواجب عليه أن يوصي منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف ، كما قال الله جل ذكره وأمر به . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ يعني تعالى ذكره بذلك : فمن غير ما أوصى به الموصي من وصيته بالمعروف لوالديه أو أقربيه الذين لا يرثونه بعد ما سمع الوصية فإنما إثم التبديل على من بدل وصيته . فإن قال لنا قائل : وعلام عادت الهاء التي في قوله فَمَنْ بَدَّلَهُ قيل : على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر ، وذلك هو أمر الميت وإيصاؤه إلى من أوصى إليه بما أوصى به لمن أوصى له . ومعنى الكلام : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فأوصوا لهم فمن بدل ما أوصيتم به لهم بعد ما سمعكم توصون لهم ، فإنما إثم ما فعل من ذلك عليه دونكم . وإنما قلنا إن الهاء في قوله : فَمَنْ بَدَّلَهُ عائدة على محذوف من الكلام يدل عليه الظاهر لأَن قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ من قول الله ، وإن تبديل المبدل إنما يكون لوصية الموصي ، فأما أمر الله بالوصية فلا يقدر هو ولا