محمد بن جرير الطبري

68

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال : نكال ، تناه . قال ا بن جريج حياة : منعة . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال : حياة : بقية ؛ إذا خاف هذا أن يقتل بي كف عني ، لعله يكون عدوا لي يريد قتلي ، فيتذكر أن يقتل في القصاص ، فيخشى أن يقتل بي ، فيكف بالقصاص الذي خاف أن يقتل ؛ لولا ذلك قتل هذا . حدثت عن يعلى بن عبيد ، قال : ثنا إسماعيل ، عن أبي صالح في قوله وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال : بقاء . وقال آخرون : معنى ذلك : ولكم في القصاص من القاتل بقاء لغيره لأَنه لا يقتل بالمقتول غير قاتله في حكم الله . وكانوا في الجاهلية يقتلون بالأنثى الذكر ، وبالعبد الحر . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد قال : ثنا أسباط عن السدي : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يقول : بقاء ، لا يقتل إلا القاتل بجنايته . وأما تأويل قوله : يا أُولِي الْأَلْبابِ فإنه : يا أولي العقول . والأَلباب جمع اللب ، واللب العقل . وخص الله تعالى ذكره بالخطاب أهل العقول ، لأَنهم هم الذين يعقلون عن الله أمره ونهيه ويتدبرون آياته وحججه دون غيرهم . القول في تأويل قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي تتقون القصاص فتنتهون عن القتل . كما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قال : لعلك تتقي أن تقتله فتقتل به . القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعني بقوله تعالى ذكره : كتب عليكم : فرض عليكم أيها المؤمنون الوصية إذا حضر أحدكم الموت إِنْ تَرَكَ خَيْراً والخير : المال ، لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الذين لا يرثونه ، بِالْمَعْرُوفِ وهو ما أذن الله فيه وأجازه في الوصية مما لم يجاوز الثلث ، ولم يتعمد الموصي ظلم ورثته ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، يعني بذلك : فرض عليكم هذا وأوجبه ، وجعله حقا واجبا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به . فإن قال قائل : أو فرض على الرجل ذي المال أن يوصى لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه ؟ قيل : نعم . فإن قال : فإن هو فرط في ذلك فلم يوص لهم أيكون مضيعا فرضا يحرج بتضييعه ؟ قيل : نعم . فإن قال : وما الدلالة على ذلك ؟ قيل : قول الله تعالى ذكره : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فأعلم أنه قد كتبه علينا وفرضه ، كما قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ولا خلاف بين الجميع أن تارك الصيام وهو عليه قادر مضيع بتركه فرضا لله عليه ، فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه وله ما يوصي لهم فيه ، مضيع فرض الله عز وجل . فإن قال : فإنك قد علمت أن جماعة من أهل العلم قالوا : الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ منسوخة بآية الميراث ؟ قيل له : وخالفهم جماعة غيرهم فقالوا : هي محكمة غير منسوخة : وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم لم يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها ، إذ كان غير مستحيل اجتماع حكم هذه الآية وحكم آية المواريث في حال واحدة على صحة بغير مدافعة حكم إحداهما حكم الأَخرى وكان الناسخ والمنسوخ هما المعنيان اللذان لا يجوز اجتماع حكمهما على صحة في حالة واحدة لنفي أحدهما صاحبه . وبما قلنا في ذلك قال جماعة من المتقدمين والمتأخرين . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن جويبر عن الضحاك أنه كان يقول : من مات ولم يوص لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية . حدثني سلم بن جنادة ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأَعمش ، عن مسلم ، عن مسروق : أنه حضر رجلا فوصى بأشياء لا تنبغي ، فقال له مسروق : إن الله قد قسم بينكم فأحسن القسم ، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضله ، أوص لذي قرابتك ممن لا يرثك ، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك ، قال : لا تجوز وصية لوارث ولا يوصي إلا لذي قرابة ، فإن أوصى لغير ذي قرابة فقد عمل بمعصية ، إلا أن لا يكون قرابة فيوصي لفقراء المسلمين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، قال : العجب لأَبي العالية أعتقته امرأة من بني رياح وأوصى بماله لبني هاشم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن رجل ، عن الشعبي ، قال : لم يكن له حال ولا كرامة . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا أيوب ، عن محمد قال : قال عبد الله بن معمر في الوصية : من سمى جعلناها حيث سمي ، ومن قال حيث أمر الله جعلناها في قرابته . حدثني محمد بن