محمد بن جرير الطبري
56
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
والنصارى تصلي قبل المشرق فنزلت : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذكر لنا أن رجلا سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن البر ، فأنزل الله هذه الآية ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا الرجل فتلاها عليه . وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يرجى له ويطمع له في خير ؛ فأنزل الله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وكانت اليهود توجهت قبل المغرب ، والنصارى قبل المشرق ؛ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال : كانت اليهود تصلي قبل المغرب ، والنصارى قبل المشرق ، فنزلت : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس أن يكون عنى بقوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اليهود والنصارى ، لأَن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولومهم والخبر عنهم وعما أعد لهم من أليم العذاب ، وهذا في سياق ما قبلها ، إذ كان الأَمر كذلك ، ليس البر أيها اليهود والنصارى أن يولي بعضكم وجهه قبل المشرق وبعضكم قبل المغرب ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ الآية . فإن قال قائل : فكيف قيل : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقد علمت أن البر فعل ، و " من " اسم ، فكيف يكون الفعل هو الإِنسان قيل : إن معنى ذلك غير ما توهمته ، وإنما معناه : ولكن البر كمن آمن بالله واليوم الآخر ، فوضع " من " موضع الفعل اكتفاء بدلالته ودلالة صلته التي هي له صفة من الفعل المحذوف كما تفعله العرب فتضع الأَسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة ، فتقول : " الجود حاتم والشجاعة عنترة " و " إنما الجود حاتم ، والشجاعة عنترة " ، ومعناها : الجود جود حاتم فتستغني بذكر حاتم إذ كان معروفا بالجود من إعادة ذكر الجود بعد الذي قد ذكرته فتضعه موضع جوده لدلالة الكلام على ما حذفته استغناء بما ذكرته عما لم تذكره ، كما قيل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها والمعنى : أهل القرية ، وكما قال الشاعر ، وهو ذو الخرق الطهوي : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يريد بغام عناق أو صوت عناق كما يقال : حسبت صياحي أخاك ، يعني به حسبت صياحي صياح أخيك . وقد يجوز أن يكون معنى الكلام : ولكن البار من آمن بالله ، فيكون البر مصدرا وضع موضع الاسم . القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ وأعطى ماله في حين محبته إياه وضنه به وشحه عليه . كما : حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت ليثا ، عن زبيد ، عن مرة بن شراحيل البكيلي ، عن عبد الله بن مسعود : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي يؤتيه وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قالا جميعا ، عن سفيان ، عن زبيد اليامي ، عن مرة ، عن عبد الله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قال : وأنت صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن زبيد اليامي ، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ قال : وأنت حريص شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر . حدثنا أحمد بن نعمة المصري ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا الليث ، قال : ثنا إبراهيم بن أعين ، عن شعبة بن الحجاج ، عن زبيد اليامي ، عن مرة الهمداني ، قال : قال عبد الله بن مسعود في قول الله : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذوي القربى ، قال : حريصا شحيحا يأمل الغنى ويخشى الفقر . حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن الشعبي سمعته يسأل : هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة ؟ قال : نعم ، وتلا هذه الآية : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا سويد بن عمرو الكلبي ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا أبو حمزة قال : قلت للشعبي : إذا زكى الرجل ماله أيطيب له