محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : فما أجرأهم عليها . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن بشر عن الحسن في قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : والله ما لهم عليها من صبر ، ولكن ما أجرأهم على النار . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري قال : ثنا مسعر . وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو بكير ، قال : ثنا مسعر ، عن حماد عن مجاهد أو سعيد بن جبير أو بعض أصحابه : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ما أجرأهم . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ يقول : ما أجرأهم وأصبرهم على النار . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما أعملهم بأعمال أهل النار . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : ما أعملهم بالباطل . حدثني المثنى ، قالا : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . واختلفوا في تأويل ما التي في قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فقال بعضهم : هي بمعنى الاستفهام وكأنه قال : فما الذي صبرهم ، أي شيء صبرهم ؟ ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ هذا على وجه الاستفهام ، يقول : ما الذي أصبرهم على النار . حدثني عباس بن محمد ، قال : ثنا حجاج الأَعور ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قال لي عطاء : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : ما يصبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل . حدثنا أبو كريب ، قال : سئل أبو بكر بن عياش : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : هذا استفهام ، ولو كانت من الصبر قال : " فما أصبرهم " رفعا ، قال : يقال للرجل : " ما أصبرك " ، ما الذي فعل بك هذا ؟ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : هذا استفهام يقول : ما هذا الذي صبرهم على النار حتى جرأهم فعملوا بهذا ؟ وقال آخرون : هو تعجب ، يعني : فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ قال : ما أعملهم بأعمال أهل النار . وهو وقال آخرون : هو تعجب قول الحسن وقتادة ، وقد ذكرناه قبل . فمن قال هو تعجب ، وجه تأويل الكلام إلى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أشد جراءتهم بفعلهم ما فعلوا من ذلك على ما يوجب لهم النار ، كما قال تعالى ذكره : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ تعجبا من كفره بالذي خلقه وسوى خلقه . فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام فمعناه : هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار والنار لا صبر عليها لأَحد حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا ؟ . وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية قول من قال : ما أجرأهم على النار ، بمعنى : ما أجرأهم على عذاب النار ، وأعملهم بأعمال أهلها ؛ وذلك أنه مسموع من العرب : ما أصبر فلانا على الله ، بمعنى : ما أجرأ فلانا على الله ؛ وإنما يعجب الله خلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنزل الله تبارك وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، واشترائهم بكتمان ذلك ثمنا قليلا من السحت والرشا التي أعطوها على وجه التعجب من تقدمهم على ذلك مع علمهم بأن ذلك موجب لهم سخط الله وأليم عقابه . وإنما معنى ذلك : " فما أجرأهم علي عذاب النار " ولكن اجتزئ بذكر النار من ذكر عذابها كما يقال : ما أشبه سخاءك بحاتم ، بمعنى : ما أشبه سخاءك بسخاء حاتم ، وما أشبه شجاعتك بعنترة . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أما قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فإنه اختلف في المعني ب " ذلك " ، فقال بعضهم : معني " ذلك " فعلهم هذا الذي يفعلون من جراءتهم على عذاب النار في مخالفتهم أمر الله وكتمانهم الناس ما أنزل الله في كتابه وأمرهم ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه ، من أجل أن الله تبارك تعالى نزل الكتاب بالحق ، وتنزيله الكتاب بالحق هو خبره عنهم في قوله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فهم مع ما أخبر الله عنهم من أنهم لا يؤمنون لا يكون منهم غير اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة . وقال آخرون : معناه ذلك معلوم لهم بأن الله نزل