محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال : غير باغ على الأَئمة ، ولا عاد على ابن السبيل . وقال آخرون في تأويل قوله غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ غير باغ الحرام في أكله ، ولا معتد الذي أبيح له منه . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال : غير باغ في أكله ، ولا عاد أن يتعدى حلالا إلى حرام وهو يجد عنه مندوحة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال : غير باغ فيها ولا معتد فيها بأكلها وهو غني عنها . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، ع من سمع الحسن يقول ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثنا أبو نميلة ، عن أبي حمزة ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ غير باغ يبتغيه ، ولا عاد يتعدى على ما يمسك نفسه . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ يقول : من غير أن يبتغي حراما ويتعداه ، ألا ترى أنه يقول : فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال : أن يأكل ذلك بغيا وتعديا عن الحلال إلى الحرام ، ويترك الحلال وهو عنده ، ويتعدى بأكل هذا الحرام هذا التعدي ، ينكر أن يكونا مختلفين ، ويقول هذا وهذا واحد . وقال آخرون : تأويل ذلك فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة وَلا عادٍ فوق ما لا بد له منه . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ أما باغ فيبغي فيه شهوته ، وأما العادي : فيتعدى في أكله ، يأكل حتى يشبع ، ولكن يأكل منه قدر ما يمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته . وأولى هذه الأَقوال بتأويل الآية قول من قال : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ بأكله ما حرم عليه من أكله وَلا عادٍ في أكله ، وله عن ترك أكله بوجود غيره مما أحله الله له مندوحة وغنى ، وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخص لأَحد في قتل نفسه بحال ، وإذ كان ذلك كذلك فلا شك أن الخارج على الإِمام والقاطع الطريق وإن كانا قد أتيا ما حرم الله عليهما من خروج هذا على من خرج عليه وسعي هذا بالإِفساد في الأَرض ، فغير مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرم الله عليهما ما كان حرم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك من قتل أنفسهما ، بل ذلك من فعلهما وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريما فغير مرخص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حراما فإن كان ذلك كذلك ، فالواجب على قطاع الطريق والبغاة على الأَئمة العادلة ، الأَوبة إلى طاعة الله ، والرجوع إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه ، والتوبة من معاصي الله لا قتل أنفسهما بالمجاعة ، فيزدادان إلى إثمهما إثما ، وإلى خلافهما أمر الله خلافا . وأما الذي وجه تأويل ذلك إلى أنه غير باغ في أكله شهوة ، فأكل ذلك شهوة لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك مما قد دخل فيما حرمه الله عليه ، فهو بمعنى ما قلنا في تأويله ، وإن كان للفظه مخالفا . فأما توجيه تأويل قوله : وَلا عادٍ ولا آكل منه شبعه ولكن ما يمسك به نفسه ؛ فإن ذلك بعض معاني الاعتداء في أكله ، ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى فيقال عنى به بعض معانيه . فإذا كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول ما قلنا من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرمة . وأما تأويل قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يقول : من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حرج . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني بقوله تعالى ذكره : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إن الله غفور إن أطعتم الله في إسلامكم فاجتنبتم أكل ما حرم عليكم وتركتم اتباع الشيطان فيما كنتم تحرمونه في جاهليتكم ، طاعة منكم للشيطان واقتفاء منكم خطواته ، مما لم أحرمه عليكم لما سلف منكم في كفركم وقبل إسلامكم في ذلك من خطأ وذنب ومعصية ، فصافح عنكم ، وتارك عقوبتكم عليه ، رحيم بكم إن أطعتموه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني تعالى ذكره بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ أحبار اليهود الذين كتموا الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة برشا كانوا أعطوها على ذلك . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع