محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تَعْبُدُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا لله بالعبودية ، وأذعنوا له بالطاعة . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يقول : صدقوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ يعني : أطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم ، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمون أنتم ولم أكن حرمته عليكم من المطاعم والمشارب . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ يقول : وأثنوا على الله بما هو أهله منكم على النعم التي رزقك وطيبها لكم ، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ يقول : إن كنتم منقادين لأَمره سامعين مطيعين ، فكلوا مما أباح لكم أكله وحلله وطيبه لكم ، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان . وقد ذكرنا بعض ما كانوا في جاهليتهم يحرمونه من المطاعم ، وهو الذي ندبهم إلى أكله ونهاهم عن اعتقاد تحريمه ، إذ كان تحريمهم إياه في الجاهلية طاعة منهم للشيطان واتباعا لأَهل الكفر منهم بالله من الآباء والأَسلاف . ثم بين لهم تعالى ذكره ما حرم عليهم ، وفصله لهم مفسرا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ يعني تعالى ذكره بذلك : لا تحرموا على أنفسكم ما لم أحرمه عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله من البحائر والسوائب ونحو ذلك ، بل كلوا ذلك فإني لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغيري . ومعنى قوله : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ما حرم عليكم إلا الميتة : " وإنما " : حرف واحد ، ولذلك نصبت الميتة والدم ، وغير جائز في الميتة إذا جعلت " إنما " حرفا واحدا إلا النصب ، ولو كانت " إنما " حرفين وكانت منفصلة من " إن " لكانت الميتة مرفوعة وما بعدها ، وكان تأويل الكلام حينئذ : إن الذي حرم الله عليكم من المطاعم الميتة والدم ولحم الخنزير لا غير ذلك . وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك على هذا التأويل . ولست للقراءة به مستجيزا ، وإن كان له في التأويل والعربية وجه مفهوم ، لاتفاق الحجة من القراء على خلافه ، فغير جائز لأَحد الاعتراض عليهم فيما نقلوه مجمعين عليه ، ولو قرئ في " حرم " بضم الحاء من " حرم " لكان في الميتة وجهان من الرفع : أحدهما من أن الفاعل غير مسمى ، و " إنما " حرف واحد . والآخر " إن " و " ما " في معنى حرفين ، و " حرم " من صلة " ما " ، والميتة خبر " الذي " مرفوع على الخبر ولست وإن كان لذلك أيضا وجه مستجيزا للقراءة به لما ذكرت . وأما الميتة فإن القراء مختلفة في قراءتها ، فقرأها بعضهم بالتخفيف ومعناه فيها التشديد ، ولكنه يخففها كما يخفف القائلون : هو هين لين الهين اللين ، كما قال الشاعر : ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأَحياء فجمع بين اللغتين في بيت واحد في معنى واحد . وقرأها الميتة بعضهم بالتشديد وحملوها على الأَصل ، وقالوا : إنما هو الميتة " ميوت " ، فيعل من الموت ، ولكن الياء الساكنة والواو المتحركة لما اجتمعتا والياء مع سكونها متقدمة قلبت الواو ياء وشددت فصارتا ياء مشددة ، كما فعلوا ذلك في سيد وجيد . قالوا : ومن خففها فإنما طلب الخفة . والقراءة بها على أصلها الذي هو أصلها أولى . والصواب من القول في ذلك عندي أن التخفيف والتشديد في ياء الميتة لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب ، فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب لأَنه لا اختلاف في معنييهما . وأما قوله : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فإنه يعني به : وما ذبح للآلهة والأَوثان يسمى عليه بغير اسمه أو قصد به غيره من الأَصنام . وإنما قيل : وَما أُهِلَّ بِهِ لأَنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها وجهروا بذلك أصواتهم ، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك حتى قيل لكل ذابح يسمي أو لم يسم جهر بالتسمية أو لم يجهر : " مهل " ، فرفعهم أصواتهم بذلك هو الإِهلال الذي ذكره الله تعالى فقال : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ومن ذلك قيل للملبي في حجة أو عمرة مهل ، لرفعه صوته بالتلبية ؛ ومنه استهلال الصبي : إذا صاح عند سقوطه من بطن أمه ، واستهلال المطر : وهو صوت وقوعه على الأَرض ، كما قال عمرو بن قميئة : ظلم البطاح له انهلال حريصة * فصفا النطاف له بعيد المقلع واختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : يعني بقوله : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذبح لغير الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة : وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال : ما ذبح لغير الله .