محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذكره أن أعمالهم تصير عليهم حسرات . وكل هذه المعاني أسباب يتسبب في الدنيا بها إلى مطالب ، فقطع الله منافعها في الآخرة عن الكافرين به لأَنها كانت بخلاف طاعته ورضاه فهي منقطعة بأهلها فلا خلال بعضهم بعضا ينفعهم عند ورودهم على ربهم ولا عبادتهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم ، ولا دافعت عنهم أرحام فنصرتهم من انتقام الله منهم ، ولا أغنت عنهم أعمالهم بل صارت عليهم حسرات ، فكل أسباب الكفار منقطعة ، فلا معنى أبلغ في تأويل قوله : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ من صفة الله ، وذلك ما بينا من جميع أسبابهم دون بعضها على ما قلنا في ذلك . ومن ادعى أن المعنى بذلك خاص من الأَسباب سئل عن البيان على دعواه من أصل لا منازع فيه ، وعورض بقول مخالفه فيه ، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا يعني بقوله تعالى ذكره : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وقال أتباع الرجال الذين كانوا اتخذوهم أندادا من دون الله يطيعونهم في معصية الله ، ويعصون ربهم في طاعتهم ، إذ يرون عذاب الله في الآخرة : لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يعني بالكرة : الرجعة إلى الدنيا ، من قول القائل : كررت على القوم أكر كرا ، والكرة : المرة الواحدة ، وذلك إذا حمل عليهم راجعا عليهم بعد الانصراف عنهم كما قال الأَخطل : ولقد عطفن على فزارة عطفة * كر المشيح وجلن ثم مجالا وكما حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا أي لنا رجعة إلى الدنيا . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع : وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً قال : قالت الأَتباع : لو أن لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا . وقوله : فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ منصوب لأَنه جواب للتمني بالفاء ، لأَن القوم تمنوا رجعة إلى الدنيا ليتبرءوا من الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله كما تبرأ منهم رؤساؤهم الذين كانوا في الدنيا المتبوعون فيها على الكفر بالله إذ عاينوا عظيم النازل بهم من عذاب الله ، فقالوا : يا ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم ، و يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ومعنى قوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ يقول : كما أراهم العذاب الذي ذكره في قوله : وَرَأَوُا الْعَذابَ الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ، فكذلك يريهم أيضا أعمالهم الخبيثة التي استحقوا بها العقوبة من الله حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ الحسرة يعني ندامات . والحسرات جمع الحسرة حسرة وكذلك كل اسم كان واحده على " فعلة " مفتوح الأَول ساكن الثاني ، فإن جمعه على " فعلات " ، مثل شهوة وتمرة تجمع شهوات وتمرات ، مثقلة الثواني من حروفها . فأما إذا كان نعتا فإنك تدع ثانيه ساكنا مثل ضخمة تجمعها ضخمات ، وعبلة تجمعها عبلات ، وربما سكن الثاني في الأَسماء كما قال الشاعر : عل صروف الدهر أو دولاتها * يدلننا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها فسكن الثاني من " الزفرات " وهي اسم وقيل إن الحسرة أشد الندامة . فإن قال لنا قائل : فكيف يرون أعمالهم حسرات عليهم ، وإنما يتندم المتندم على ترك الخيرات وفوتها إياه ؟ وقد علمت أن الكفار لم يكن لهم من الأَعمال ما يتندمون على تركهم الازدياد منه ، فيريهم الله قليله ، بل كانت أعمالهم كلها معاصي لله ، ولا حسرة عليهم في ذلك ، وإنما الحسرة فيما لم يعملوا من طاعة الله ؟ قيل : إن أهل التأويل في تأويل ذلك مختلفون ، فنذكر في ذلك ما قالوا ، ثم نخبر بالذي هو أولى بتأويله إن شاء الله . فقال بعضهم : معنى ذلك : كذلك يريهم الله أعمالهم التي فرضها عليهم في الدنيا فضيعوها ولم يعملوا بها حتى استوجب ما كان الله أعد لهم لو كانوا عملوا بها في حياتهم من المساكن والنعم غيرهم بطاعته ربه فصار ما فاتهم من الثواب الذي كان الله أعده لهم عنده لو كانوا أطاعوه في الدنيا إذ عاينوه عند دخول النار أو قبل ذلك أسى وندامة وحسرة عليهم . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ زعم أنه يرفع لهم الجنة