محمد بن جرير الطبري

403

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

نزعها عنها ، وكانت درعا سابغة من دروع طالوت ، فألبسها داود ؛ فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم ، فتقدم داود ، فقام مقاما لا يقوم فيه أحد وعليه الدرع ، فقال له جالوت : ويحك من أنت إني أرحمك ، ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك ، أنت إنسان ضعيف مسكين ، فارجع ، فقال داود : أنا الذي أقتلك بإذن الله ، ولن أرجع حتى أقتلك ، فلما أبى داود إلا قتاله ، تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه ، فأخرج الحجر من المخلاة ، فدعا ربه ، ورماه بالحجر ، فألقت الريح بيضته عن رأسه ، فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه ، فقتله . قال ابن جريج : وقال مجاهد : لما رمى جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه ، وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا ، قال الله تعالى : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ فقال داود لطالوت : وف بما جعلت ، فأبى طالوت أن يعطيه ذلك ، فانطلق داود ، فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل ، حتى مات طالوت ؛ فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود ، فجاءوا به ، فملكوه ، وأعطوه خزائن طالوت ، وقالوا : لم يقتل جالوت إلا نبي ، قال الله : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ القول في تأويل قوله تعالى : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ يعني تعالى ذكره بذلك : وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء . والهاء في قوله : وَآتاهُ اللَّهُ عائدة على داود والملك السلطان والحكمة النبوة . وقوله : وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ يعني علمه صنعة الدروع ، والتقدير في السرد ، كما قال الله تعالى ذكره : وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ وقد قيل : إن معنى قوله : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ أن الله آتى داود ملك طالوت ونبوة أشمويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : ملك داود بعد ما قتل طالوت ، وجعله الله نبيا ، وذلك قوله : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ قال : الحكمة : هي النبوة ، آتاه نبوة شمعون ، وملك طالوت . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ يعني تعالى ذكره بذلك : ولولا أن الله يدفع ببعض الناس ، وهم أهل الطاعة له والإِيمان به ، بعضا وهم أهل المعصية لله ، والشرك به ، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداء من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإِيمان بالله واليقين والصبر ، جالوت وجنوده ، لفسدت الأَرض ، يعني لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم ، ففسدت بذلك الأَرض ، ولكن الله ذو من على خلقه ، وتطول عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر ، وبالمطيع عن العاصي منهم ، وبالمؤمن عن الكافر . وهذه الآية إعلام من الله تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشك الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم والمشركين وأهل الكفر منهم ، وأنه إنما يدفع عنهم معاجلتهم العقوبة ، على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله ، الذين هم أهل البصائر والجد في أمر الله ، وذو اليقين بإنجاز الله إياهم وعده على جهاد أعدائه ، وأعداء رسوله من النصر في العاجل ، والفوز بجناته في الآخرة .