محمد بن جرير الطبري
401
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
شربه للخمر ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم ، فوضع سهمين عند رأسه وعند رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين ؛ فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها ، فقال : يرحم الله داود هو خير مني ، ظفرت به فقتلته ، وظفر بي فكف عني . ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس ، فقال طالوت : اليوم أقتل داود وكان داود إذا فزع لا يدرك ، فركض على أثره طالوت ، ففزع داود ، فاشتد فدخل غارا ، وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا ؛ فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت ، فقال : لو كان دخل هاهنا لخرق بيت العنكبوت ، فخيل إليه فتركه . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار . وإن جالوت برز لهم ، فنادى : ألا رجل لرجل فقال طالوت : من يبرز له ، وإلا برزت له . فقام داود فقال : أنا فقام له طالوت فشد عليه درعه ، فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع . فعجب من ذلك طالوت ، فشد عليه أداته كلها . وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة فأصاب في القوم ، ثم رمى الثانية بحجر فأصاب فيهم ، ثم رمى الثالثة فقتل جالوت . فآتاه الله الملك والحكمة ، وعلمه مما يشاء ، وصار هو الرئيس عليهم ، وأعطوه الطاعة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني ابن زيد في قول الله تعالى ذكره : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ فقرأ حتى بلغ : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قال : أوحى الله إلى نبيهم إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت ، ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه ، فيفيض ماء . فأتاه فقال : إن الله أوحى إلي أن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت ، فقال : نعم يا نبي الله ، قال : فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري ، وفيهم رجل بارع عليهم ، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا ، فيقول لذلك الجسيم : ارجع فيرده عليه ، فأوحى الله إليه : إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ، ولكن نأخذهم على صلاح قلوبهم ، قال : يا رب قد زعم أنه ليس له ولد غيره ، فقال : كذب ، فقال : إن ربي قد كذبك ، وقال : إن لك ولدا غيرهم ، فقال : صدق يا نبي الله ، لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس ، فجعلته في الغنم ، قال : فأين هو ؟ قال في شعب كذا وكذا من جبل كذا وكذا ، فخرج إليه ، فوجد الوادي قد سال بينه وبين التي كان يريح إليها قال : ووجده يحمل شاتين يجيز بهما ، ولا يخوض بهما السيل ، فلما رآه قال : هذا هو لا شك فيه ، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم ، قال : فوضع القرن على رأسه ففاض ، فقال له : ابن أخي هل رأيت هاهنا من شيء يعجبك ؟ قال : نعم إذا سبحت ، سبحت معي الجبال ، وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة قمت إليه ، فافتح لحييه عنها فلا يهيجني ، وألفي معه صفنه ، قال : فمر بثلاثة أحجار يأثر بعضها على بعض : كل واحد منها يقول : أنا الذي يأخذ ، ويقول هذا : لا بل إياي يأخذ ، ويقول الآخر مثل ذلك ، قال : فأخذهن جميعا ، فطرحهن في صفنه ؛ فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا قال لهم نبيهم : إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه ، وقرأ حتى بلغ : وَاللَّهُ مَعَ