محمد بن جرير الطبري

399

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

غلام أحمق ، ومن يطيق جالوت وهو من بقية الجبارين ؟ فلما لم يرهم رغبوا في ذلك ، قال : فأنا أذهب فأقتله فانتهروه وغضبوا عليه . فلما غفلوا عنه ، ذهب حتى جاء الصائح ، فقال : أنا أبرز لجالوت . فذهب به إلى الملك ، فقال له : لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل هو هذا ؟ قال : يا بني أنت تبرز لجالوت فتقاتله ؟ قال : نعم . قال : وهل آنست من نفسك شيئا ؟ قال : نعم ، كنت راعيا في الغنم ، فأغار علي الأَسد ، فأخذت بلحييه ففككتهما . فدعا له بقوس وأداة كاملة ، فلبسها وركب الفرس ، ثم سار منهم قريبا . ثم صرف فرسه ، فرجع إلى الملك ، فقال الملك ومن حوله : جبن الغلام فجاء فوقف على الملك ، فقال : ما شأنك ؟ قال داود : إن لم يقتله الله لي لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح ، فدعني فأقاتل كما أريد . فقال : نعم يا بني . فأخذ داود مخلاته ، فتقلدها وألقى فيها أحجارا ، وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به . ثم مضى نحو جالوت ؛ فلما دنا من عسكره ، قال : أين جالوت يبرز لي ؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله ، فلما رآه جالوت قال : إليك أبرز ؟ قال نعم . قال : فأتيتني بالمقلاع والحجر كم يؤتى إلى الكلب ؟ قال : هو ذاك . قال : لا جرم إني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأَرض . قال داود : أو يقسم الله لحمك . فوضع داود حجرا في مقلاعه ، ثم دوره فأرسله نحو جالوت ، فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه ، فوقع من فرسه ، فمضى داود إليه ، فقطع رأسه بسيفه ، فأقبل به في مخلاته ، وبسلبه يجره ، حتى ألقاه بين يدي طالوت ، ففرحوا فرحا شديدا ، وانصرف طالوت . فلما كان داخل المدينة ، سمع الناس يذكرون داود ، فوجد في نفسه ، فجاءه داود ، فقال : أعطني امرأتي فقال : أتريد ابنة الملك بغير صداق ؟ فقال داود : ما اشترطت علي صداقا ، وما لي من شيء . قال : لا أكلفك إلا ما تطيق ، أنت رجل جريء ، وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس وهم غلف ، فإذا قتلت منهم مائتي رجل ، فأتني بغلفهم . فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط ، حتى نظم مائتي غلفة ، ثم جاء بهم إلى طالوت ، فألقى إليه ، فقال : ادفع لي امرأتي قد جئت بما اشترطت فزوجه ابنته . وأكثر الناس ذكر داود ، وزاده عند الناس عجبا ، فقال طالوت لابنه : لتقتلن داود قال : سبحان الله ليس بأهل ذلك منك قال : إنك غلام أحمق ، ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك . فلما سمع ذلك من أبيه ، انطلق إلى أخته ، فقال لها : إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود ، فمريه أن يأخذ حذره ، ويتغيب منه . فقالت له امرأته ذلك فتغيب . فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له داود ، وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته . فلما جاء رسول طالوت قال : أين داود ؟ ليجب الملك فقالت له : بات شاكيا ونام الآن ترونه على الفراش . فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك ، فمكث ساعة ثم أرسل إليه ، فقالت : هو نائم لم يستيقظ بعد . فرجعوا إلى الملك فقال : ائتوني به وإن كان نائما فجاءوا إلى الفراش ، فلم يجدوا عليه أحدا . فجاءوا الملك فأخبروه ، فأرسل إلى ابنته فقال : ما حملك على أن تكذبيني ؟ قالت : هو أمرني بذلك ، وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني . وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت ، وملك داود بعده . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،