محمد بن جرير الطبري
395
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أهل طاعة ، ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض ، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ والآخرون كانوا أضعف يقينا ، وهم الذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ويكون المؤمنون بعضهم أفضل جدا وعزما من بعض ، وهم مؤمنون كلهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ أن النبي قال لأَصحابه يوم بدر : " أنتم بعدة أصحاب طالوت ثلاثمائة " قال قتادة : وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا ، وهم الذين قالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ويجب على القول الذي روي عن البراء بن عازب أنه لم يجاوز النهر مع طالوت إلا عدة أصحاب بدر أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به أمرهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد . وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس والسدي وابن جريج . وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا . وأما تأويل قوله : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ فإنه يعني : قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو الله . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ الذين يستيقنون . فتأويل الكلام : قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ يعني بكم كثيرا غلبت فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله ، يعني : بقضاء الله وقدره . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ يقول : مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته . وقد أتينا على البيان عن وجوه الظن وأن أحد معانيه العلم اليقين بما يدل على صحة ذلك فيما مضى ، فكرهنا إعادته . وأما الفئة فإنهم الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه ، وهو مثل الرهط والنفر جمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في النصب والخفض بفتح نونها في كل حال ، وفئين بالرفع بإعراب نونها بالرفع وترك الياء فيها ، وفي النصب فئينا ، وفي الخفض فئين ، فيكون الإِعراب في الخفض والنصب في نونها ، وفي كل ذلك مقرة فيها الياء على حالها ، فإن أضيفت ، قيل : هؤلاء فئينك بإقرار النون وحذف التنوين ، كما قال الذين لغتهم هذه سنين في جمع السنة هذه سنينك بإثبات النون وإعرابها ، وحذف التنوين منها للإِضافة ، وكذلك العمل في كل منقوص ، مثل مائة وثبة وقلة وعزة ، فأما ما كان نقصه من أوله ؛ فإن جمعه بالتاء مثل عدة وعدات وصلة وصلات . وأما قوله : وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فإنه يعني : والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته ، وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله ، المخالفين منهاج دينه .