محمد بن جرير الطبري

369

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وإنما جمع قليله على أفعال ، ولم يجمع على أفعل مثل سائر الجمع القليل الذي يكون ثاني مفرده ساكنا للأَلف التي في أوله ، وشأن العرب في كل حرف كان أوله ياء أو واوا أو ألفا اختيار جمع قليله على أفعال ، كما جمعوا الوقت أوقاتا ، واليوم أياما ، واليسر أيسارا ؛ للواو والياء اللتين في أول ذلك ، وقد يجمع ذلك أحيانا على " أفعل " ، إلا أن الفصيح من كلامهم ما ذكرنا ، ومنه قول الشاعر : كانوا ثلاثة آلف وكتيبة * ألفين أعجم من بني الفدام وأما قوله : حَذَرَ الْمَوْتِ فإنه يعني : أنهم خرجوا من حذر الموت فرارا منه . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : حَذَرَ الْمَوْتِ فرارا من عدوهم ، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه ، فأمرهم فرجعوا وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله . وهم الذين قالوا لنبيهم : ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإنما حث الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية على المواظبة على الجهاد في سبيل الله والصبر على قتال أعداء دينه ، وشجعهم بإعلامه إياهم وتذكيره لهم أن الإِماتة والإِحياء بيديه وإليه دون خلقه ، وأن الفرار من القتال والهرب من الجهاد ولقاء الأَعداء إلى التحصن في الحصون والاختباء في المنازل والدور غير منج أحدا من قضائه إذا حل بساحته ، ولا دافع عنه أسباب منيته إذا نزل بعقوبته ، كما لم ينفع الهاربين من الطاعون الذين وصف الله تعالى ذكره صفتهم في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فرارهم من أوطانهم ، وانتقالهم من منازلهم إلى الموضع الذي أملوا بالمصير إليه السلامة ، وبالموئل النجاة من المنية ، حتى أتاهم أمر الله ، فتركهم جميعا خمودا صرعى وفي الأَرض هلكى ، ونجا مما حل بهم الذين باشروا كرب الوباء وخالطوا بأنفسهم عظيم البلاء . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يعني تعالى ذكره بذلك : إن الله لذو فضل ومن على خلقه بتبصيره إياهم سبيل الهدى وتحذيره لهم طرق الردى ، وغير ذلك من نعمه التي ينعمها عليهم في دنياهم ودينهم وأنفسهم وأموالهم . كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت بعد إماتته إياهم وجعلهم لخلقه مثلا وعظة يعظون بهم وعبرة يعتبرون بهم . وليعلموا أن الأَمور كلها بيده ، فيستسلمون لقضائه ، ويصرفون الرغبة كلها والرهبة إليه . ثم أخبر تعالى ذكره أن أكثر من ينعم عليه من عباده بنعمه الجليلة ويمن عليه بمننه الجسيمة ، يكفر به ، ويصرف الرغبة والرهبة إلى غيره ، ويتخذ إلها من دونه ، كفرانا منه لنعمه التي توجب أصغرها عليه من الشكر ما يفدحه ومن الحمد ما يثقله ، فقال تعالى ذكره : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يقول : لا يشكرون نعمتي التي أنعمتها عليهم وفضلي الذي تفضلت به عليهم ، بعبادتهم غيري وصرفهم رغبتهم ورهبتهم إلى من دوني ، ممن لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : وَقاتِلُوا أيها المؤمنون فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في دينه الذي هداكم له ، لا في طاعة الشيطان أعداء دينكم ، الصادين عن سبيل ربكم ، ولا تجبنوا عن لقائهم ، ولا تقعدوا عن