محمد بن جرير الطبري
355
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وأولى هذه الأَقوال بالصواب في تأويل قوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قول من قال : تأويله مطيعين ، وذلك أن أصل القنوت : الطاعة ، وقد تكون الطاعة لله في الصلاة بالسكوت عما نهى الله من الكلام فيها ، ولذلك وجه من وجه تأويل القنوت في هذا الموضع إلى السكوت التكلم في الصلاة أحد المعاني التي فرضها الله على عباده فيها . إلا عن قراءة قرآن ، أو ذكر له بما هو أهله . ومما يدل على أنهم قالوا ذلك كما وصفنا ، قول النخعي ومجاهد ، الذي : حدثنا به أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ومجاهد قالا : كانوا يتكلمون في الصلاة ، يأمر أحدهم أخاه بالحاجة فنزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال : فقطعوا الكلام ، والقنوت : السكوت ، والقنوت : الطاعة . فجعل إبراهيم ومجاهد القنوت سكوتا في طاعة الله على ما قلنا في ذلك من التأويل ، وقد تكون الطاعة لله فيها بالخشوع وخفض الجناح ، وإطالة القيام ، وبالدعاء ، لأَن كلا غير خارج من أحد معنيين ، من أن يكون مما أمر به المصلي ، أو مما ندب إليه ، والعبد بكل ذلك لله مطيع ، وهو لربه فيه قانت ، والقنوت : أصله الطاعة لله ، ثم يستعمل في كل ما أطاع الله به العبد . فتأويل الآية إذا : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ، وقوموا لله فيها مطيعين بترك بعضكم فيها كلام بعض ، وغير ذلك من معاني الكلام ، سوى قراءة القرآن فيها ، أو ذكر الله بالذي هو أهله أو دعائه فيها ، غير عاصين لله فيها بتضييع حدودها ، والتفريط في الواجب لله عليكم فيها ، وفي غيرها من فرائض الله . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً يعني تعالى ذكره بذلك : وقوموا لله في صلاتكم مطيعين له ، لما قد بيناه من معناه ، فإن خفتم من عدو لكم أيها الناس ، تخشونهم على أنفسكم في حال التقائكم معهم ، أن تصلوا قياما على أرجلكم بالأَرض ، قانتين لله ، صلاة الخوف فصلوا رجالا مشاة على أرجلكم ، وأنتم في حربكم وقتالكم وجهاد عدوكم ، أو ركبانا على ظهور دوابكم ، فإن ذلك يجزيكم حينئذ من القيام منكم قانتين . ولما قلنا من أن معنى ذلك كذلك ، جاز نصب الرجال بالمعنى المحذوف ، وذلك أن العرب تفعل ذلك في الجزاء خاصة لأَن ثانيه شبيه بالمعطوف على أوله ، ويبين ذلك أنهم يقولون إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا ، بمعنى : إن تفعل خيرا تصب خيرا ، وإن تفعل شرا تصب شرا ، فيعطفون الجواب على الأَول لانجزام الثاني بجزم الأَول ، فكذلك قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً بمعنى : إن خفتم أن تصلوا قياما بالأَرض فصلوا رجالا ؛ والرجال جمع راجل ورجل . وأما أهل الحجاز فإنهم يقولون لواحد الرجال رجل ، مسموع منهم : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا ، وقد سمع من بعض أحياء العرب في وأحدهم رجلان ، كما قال بعض بني عقيل : على إذا أبصرت ليلى بخلوة * أن ازدار بيت الله رجلان حافيا فمن قال رجلان للذكر ، قال للأَنثى رجلي ، وجاز في جمع المذكر والمؤنث فيه أن يقال : أتى القوم رجالي ، ورجالي مثل كسالى وكسالى . وقد حكي عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك : " فإن خفتم فرجالا " مشددة . وعن بعضهم أنه كان يقرأ : " فرجالا " ، وكلتا القراءتين غير جائزة القراءة بها عندنا بخلاف القراءة الموروثة المستفيضة في أمصار المسلمين . وأما الركبان ، فجمع راكب ، يقال : هو راكب وهو ركبان وركب وركبة وركاب وأركب وأركوب ، يقال : جاءنا أركوب من الناس وأراكيب . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : سألته عن قوله : فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً قال : عند