محمد بن جرير الطبري

308

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك إنما كان جائزا أن يكون كذلك لو كان معنى الكلام : لا تضارون والدة بولدها ، المضارة في الرضاع وكان المنهي عن الضرار هي الوالدة على أن معنى الكلام لو كان كذلك لكان الكسر في تضار أفصح من الفتح ، والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح ، كما أن مد بالثوب أفصح من مد به وفي إجماع القراء على قراءة : لا تُضَارَّ بالفتح دون الكسر دليل واضح على إغفال من حكيت قوله من أهل العربية في ذلك فإن قال قائل ذلك قاله توهما منه أنه معنى ذلك : لا تضارر والدة ، وأن الوالدة مرفوعة بفعلها ، وأن الراء الأَولى حظها الكسر ؛ فقد أغفل تأويل الكلام ، وخالف قول جميع من حكينا قوله من أهل التأويل وذلك أن الله تعالى ذكره تقدم إلى كل واحد من أبوي المولود بالنهي عن ضرار صاحبه بمولودهما ، لا أنه نهى كل واحد منهما عن أن يضار المولود ، وكيف يجوز أن ينهاه عن مضارة الصبي ، والصبي في حال ما هو رضيع غير جائز أن يكون منه ضرار لأَحد ، فلو كان ذلك معناه ، لكان التنزيل : لا تضر والدة بولدها وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر في " تضار " جائز ، والكسر في ذلك عندي غير جائز في هذا الموضع ، لأَنه إذا كسر تغير معناه عن معنى " لا تضارر " الذي هو في مذهب ما لم يسم فاعله ، إلى معنى " لا تضارر " الذي هو في مذهب ما قد سمي فاعله فإذا كان الله تعالى ذكره قد نهى كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه بسبب ولدهما ، فحق على إمام المسلمين إذا أراد الرجل نزع ولده من أمه بعد بينونتها منه ، وهي تحضنه وتكلفه وترضعه بما يحضنه به غيرها ويكلفه به ويرضعه من الأَجرة ، أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها ما دام محتاجا الصبي إليها في ذلك بالأجرة التي يعطاها غيرها وحق إذا كان الصبي لا يقبل ثدي غير والدته ، أو كان المولود له لا يجد من يرضع ولده ، وإن كان يقبل ثدي غير أمه ، أو كان معدما لا يجد ما يستأجر به مرضعا ولا يجد ما يتبرع عليه برضاع مولوده ، أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته ؛ لأَن الله تعالى ذكره حرم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه ، فالإِضرار به أحرى أن يكون محرما مع ما في الإِضرار به من مضارة صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ اختلف أهل التأويل في الوارث الذي عنى الله تعالى ذكره بقوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ وأي وارث هو ؟ ووارث من هو ؟ فقال بعضهم : هو وارث الصبي ؛ وقالوا : معنى الآية : وعلى وارث الصبي الوارث في الرضاع إذا كان ميتا الذي كان على أبيه في حياته ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قالا : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على وارث الولد الوارث في الرضاع حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ على وارث الولد الوارث في الرضاع حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن قتادة : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ قال : وعلى وارث الصبي الوارث في الرضاع مثل ما على أبيه ثم اختلف قائلوا هذه المقالة في وارث المولود الذي ألزمه الله تعالى مثل الذي وصف ، فقال بعضهم : هم وارث الصبي الوارث في الرضاع من قبل أبيه من عصبته كائنا من كان أخا كان أو عما أو ابن عم أو ابن أخ ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره أن سعيد بن المسيب أخبره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في قوله : وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ