محمد بن جرير الطبري
28
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر ، فمن حج البيت أو اعتمر فلا يتخوفن الطواف بهما ، من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما ، من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما ، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا ، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي وطاعة لأَمري ، فلا جناح عليكم في الطواف بهما . والجناح : الإِثم . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما يقول : ليس عليه إثم ولكن له أجر . وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين . ذكر الأَخبار التي رويت بذلك : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا داود ، عن الشعبي : أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إسافا " ، ووثنا على المروة يسمى نائلة ؛ فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين ؛ فلما جاء الإِسلام وكسرت الأَوثان ، قال المسلمون : إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين ، وليس الطواف بهما من الشعائر . قال : فانزل الله : إنهما من الشعائر فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، قال : كان صنم بالصفا يدعى إسافا ، ووثن بالمروة يدعى نائلة . ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب وزاد فيه ، قال : فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه ، وأنث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب ، عن يزيد ، وزاد فيه قال : فجعله الله تطوع خير . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرني عاصم الأَحول ، قال : قلت لأَنس بن مالك : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية ؟ فقال : نعم كنا نكره الطواف بينهما لأَنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثني علي بن سهل الرملي ، قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة ، فقال : كانتا من مشاعر الجاهلية ، فلما كان الإِسلام أمسكوا عنهما ، فنزلت : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، قال : حدثني أبو الحسين المعلم ، قال : ثنا سنان أبو معاوية ، عن جابر الجعفي ، عن عمرو بن حبشي ، قال : قلت لابن عمر : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما قال : انطلق إلى ابن عباس فاسأله ، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فأتيته فسألته ، فقال : إنه كان عندهما الصفا والمروة أصنام ، فلما حرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وذلك أن ناسا كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فأخبر الله أنهما من شعائره ، والطواف بينهما أحب إليه ، فمضت السنة بالطواف بينهما . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما قال : زعم أبو مالك عن ابن عباس أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة ، وكانت بينهما آلهة ، فلما جاء الإِسلام وظهر قال المسلمون : يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة ، فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية فأنزل الله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ قال : قالت الأَنصار : إن السعي بين هذين الحجرين الصفا والمروة من أمر الجاهلية . فأنزل الله تعالى ذكره : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد نحوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما قال : كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما ؛ فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين ، فقال الله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وقرأ : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ