محمد بن جرير الطبري

295

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك بن أنس ، عن ثور بن زيد الديلي ، أن رجلا كان يطلق امرأته ثم يراجعها ، ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها ، كيما يطول عليها بذلك العدة ليضارها ؛ فأنزل الله تعالى ذكره : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعظم ذلك . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان الباهلي ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً هو الرجل يطلق امرأته واحدة ، ثم يراجعها ، ثم يطلقها ، ثم يراجعها ، ثم يطلقها ؛ ليضارها بذلك لتختلع منه حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً قال نزلت في رجل من الأَنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم يطلقها ، ففعل ذلك بها ، حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة يضارها ، فأنزل الله تعالى ذكره : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا حدثني العباس بن الوليد ، قال : أخبرني أبي الوليد ، قال : سمعت عبد العزيز يسأل عن طلاق الضرار ، فقال : يطلق ثم يراجع ثم يطلق ، ثم يراجع ، فهذا الضرار الذي قال الله : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا قال : الرجل يطلق امرأته تطليقة ، ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض ، ثم يراجعها ، ثم يطلقها تطليقة ، ثم يمسك عنها حتى تحيض ثلاث حيض ، ثم يراجعها ، لتعتدوا ؛ قال : لا يطاول عليهن وأصل التسريح من سرح القوم ، وهو ما أطلق من نعمهم للرعي ، يقال للمواشي المرسلة للرعي : هذا سرح القوم ، يراد به مواشيهم المرسلة للرعي ، ومنه قول الله تعالى ذكره : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ يعني بقوله حين تسرحون : حين ترسلونها للرعي فقيل للمرأة إذا خلاها زوجها فأبانها منه : سرحها ، تمثيلا لذلك بتسريح المسرح ماشيته للرعي وتشبيها به القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني تعالى ذكره بذلك : ومن يراجع امرأته بعد طلاقه إياها في الطلاق الذي له فيه عليها الرجعة ضرارا بها ليعتدي حد الله في أمرها ، فقد ظلم نفسه ، يعني فأكسبها بذلك إثما ، وأوجب لها من الله عقوبة بذلك وقد بينا معنى الظلم فيما مضى ، وأنه وضع الشيء في غير موضعه وفعل ما ليس للفاعل فعله القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً يعني تعالى ذكره : ولا تتخذوا أعلام الله وفصوله بين حلاله وحرامه وأمره ونهيه في وحيه وتنزيله استهزاء ولعبا ، فإنه قد بين لكم في تنزيله وآي كتابه ما لكم من الرجعة على نسائكم في الطلاق الذي جعل لكم عليهن فيه الرجعة ، وما ليس لكم منها ، وما الوجه الجائز لكم منها وما الذي لا يجوز ، وما الطلاق الذي لكم عليهن فيه الرجعة وما ليس لكم ذلك فيه ، وكيف وجوه ذلك ؛ رحمة منه بكم ونعمة منه عليكم ، ليجعل بذلك لبعضكم من مكروه إن كان فيه من صاحبه مما هو فيه المخرج والمخلص بالطلاق والفراق ، وجعل ما جعل لكم عليهن من الرجعة سبيلا لكم إلى الوصول إلى ما نازعه إليه ودعاه إليه هواه بعد فراقه إياهن منهن ، لتدركوا بذلك قضاء أوطاركم منهن ، إنعاما منه بذلك عليكم ، لا لتتخذوا ما بينت لكم من ذلك في آي كتابي وتنزيلي تفضلا مني ببيانه عليكم ، وإنعاما ورحمة مني بكم لعبا وسخريا وبمعنى ما قلنا في ذلك قال