محمد بن جرير الطبري

276

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذي قصده ابن عباس بقوله : ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها لأَن الله تعالى ذكره يقول : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ومعنى الدرجة : الرتبة والمنزلة ، وهذا القول من الله تعالى ذكره ، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر ، فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأَخذ على النساء بالفضل ليكون لهم عليهن فضل درجة . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : والله عزيز في انتقامه ممن خالف أمره ، وتعدى حدوده ، فأتى النساء في المحيض ، وجعل الله عرضة لأَيمانه أن يبر ويتقي ، ويصلح بين الناس ، وعضل امرأته بإيلائه ، وضارها في مراجعته بعد طلاقه ، ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن ، ونكحن في عددهن ، وتركن التربص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن ، وركبن غير ذلك من معاصيه ، حكيم فيما دبر في خلقه ، وفيما حكم وقضى بينهم من أحكامه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقول : عزيز في نقمته ، حكيم في أمره وإنما توعد الله تعالى ذكره بهذا القول عباده لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرم عليهم أو نهاهم عنه من ابتداء قوله : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ إلى قوله : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو النهي ، وليذكر أولو الحجا ، فيتقوا عقابه ، ويحذروا عذابه . القول في تأويل قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته ، والعدد الذي تبين به زوجته منه . ذكر من قال إن هذه الآية أنزلت لأَن أهل الجاهلية وأهل الإِسلام قبل نزولها لم يكن لطلاقهم نهاية تبين بالانتهاء إليها امرأته منه ما راجعها في عدتها منه ، فجعل الله تعالى ذكره لذلك حدا حرم بانتهاء الطلاق إليه على الرجل امرأته المطلقة إلا بعد زوج ، وجعلها حينئذ أملك بنفسها منه . ذكر الأَخبار الواردة بما قلنا في ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، قال : كان الرجل يطلق ما شاء ثم إن راجع امرأته قبل أن تنقضي عدتها كانت امرأته ، فغضب رجل من الأَنصار على امرأته ، فقال لها : لا أقربك ولا تحلين مني قالت له : كيف ؟ قال : أطلقك ، حتى إذا دنا أجلك راجعتك ثم أطلقك ، فإذا دنا أجلك راجعتك . قال : فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى ذكره : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ الآية . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن هشام ، عن أبيه عروة ، قال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ، ولا أدعك تحلين فقالت له : كيف تصنع ؟ قال : أطلقك ، فإذا دنا مضى عدتك راجعتك ، فمتى تحلين ؟ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ فاستقبله الناس جديدا من كان طلق ومن لم يكن طلق حدثنا محمد بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الأَعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك ، ثم يراجع ما كانت في العدة ، فجعل الله حد عدد الطلاق ثلاث تطليقات حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم امرأته ثم يراجعها لا حد في ذلك ، هي امرأته ما راجعها في عدتها ، فجعل الله حد ذلك يصير إلى ثلاثة قروء ، وجعل حد عدد الطلاق ثلاث تطليقات حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : الطَّلاقُ مَرَّتانِ قال كان عدد الطلاق قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاثا ليس له أمد يطلق الرجل امرأته مائة ، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحل كان ذلك له ، وطلق رجل امرأته