محمد بن جرير الطبري

274

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ قال : ما كانت الرجوع في العدة إذا أراد المراجعة فإن قال لنا قائل : فما لزوج طلق واحدة أو اثنتين بعد الإِفضاء إليها عليها رجعة في أقرائها الثلاثة ، إلا أن يكون مريدا بالرجعة إصلاح أمرها وأمره ؟ قيل : أما فيما بينه وبين الله تعالى فغير جائز إذا أراد ضرارها بالرجعة لا إصلاح أمرها وأمره بمراجعتها . وأما في الحكم فإنه مقضي له عليها بالرجعة نظير ما حكمنا عليه ببطول رجعته عليها لو كتمته حملها الذي خلقه الله في رحمها أو حيضها حتى انقضت عدتها ضرارا منها له ، وقد نهى الله عن كتمانه ذلك ، فكان سواء في الحكم في بطول رجعة زوجها عليها وقد أثمت في كتمانها إياه ما كتمته من ذلك حتى انقضت عدتها هي والتي أطاعت الله بتركها كتمان ذلك منه ، وإن اختلفا في طاعة الله في ذلك ومعصيته ، فكذلك المراجع زوجته المطلقة واحدة أو ثنتين بعد الإِفضاء إليها وهما حران ، وإن أراد ضرار المراجعة برجعته فمحكوم له بالرجعة الرجوع في العدة وإن كان آثما برايه في فعله ومقدما على ما لم يبحه الله له ، والله وفي مجازاته فيما أتى من ذلك . فأما العباد فإنهم غير جائز لهم الحول بينه وبين امرأته التي راجعها بحكم الله تعالى ذكره له بأنها حينئذ زوجته ، فإن حاول ضرارها بعد المراجعة بغير الحق الذي جعله الله له أخذ لها الحقوق التي ألزم الله تعالى ذكره الأَزواج للزوجات حتى يعود ضرر ما أراد من ذلك عليه دونها ، وفي قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ أبين الدلالة على صحة قول من قال : إن المولي إذا عزم الطلاق فطلق امرأته التي آلى منها أن له عليها الرجعة في طلاقه ذلك ، وعلى فساد قول من قال : إن مضي الأَشهر الأَربعة عزم الطلاق ، وأنه تطليقه بائنة ، لأَن الله تعالى ذكره إنما أعلم عباده ما يلزمهم إذا آلوا من نسائهم وما يلزم النساء من الأَحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال وطلاقهم ، إذا عزموا ذلك وتركوا الفيء . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن لهم من الطاعة فيما أوجب الله تعالى ذكره له عليها . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال : إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن ، فعليه أن يحسن صحبتها ، ويكف عنها أذاه ، وينفق عليها من سعته حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال : يتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيهم وقال آخرون : معنى ذلك : ولهن على أزواجهن من التصنع والمواتاة مثل الذي عليهن لهم من ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن بشير بن سلمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إني أحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي ؛ لأَن الله تعالى ذكره يقول : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ والذي هو أولى بتأويل الآية عندي : وللمطلقات واحدة أو ثنتين بعد الإِفضاء إليهن على بعولتهن أن لا يراجعوهن ضرارا في أقرائهن الثلاثة إذا أرادوا رجعتهن فيه إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم فلا يراجعوهن ضرارا ، كما عليهن لهم إذا أرادوا رجعتهن فيهن أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الولد ودم الحيض ضرارا منهن لهم ليفتنهم بأنفسهن ، ذلك أن الله تعالى ذكره نهى المطلقات عن كتمان أزواجهن في أقرائهن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ، وجعل أزواجهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ، فحرم الله على كل واحد منهما مضارة صاحبه ، وعرف كل واحد منهما ما له وما عليه من ذلك ، ثم عقب