محمد بن جرير الطبري

269

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قرء منهن قرء ، هو خلاف ما احتسبته لنفسها قروءا فتربصهن . فإذا انقضين ، فقد حلت للأَزواج ، وانقضت عدتها ؛ وذلك أنها إذا فعلت ذلك ، فقد دخلت في عداد من تربص من المطلقات بنفسها ثلاثة قروء بين طهري كل قرء منهن قرء له مخالف ، وإذا فعلت ذلك كانت مؤدية ما ألزمها ربها تعالى ذكره بظاهر تنزيله . فقد تبين إذا إذ كان الأَمر على ما وصفنا أن القرء الثالث من أقرائها على ما بينا الطهر الثالث ، وأن بانقضائه ومجيء قرء الحيض الذي يتلوه انقضاء عدتها عدة الطلاق . فإن ظن ذو غباوة إذ كنا قد نسمي وقت مجيء الطهر قرءا ، ووقت مجيء الحيض قرءا أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضية بانقضاء الطهر الثاني ، إذ كان الطهر الذي طلقها فيه ، والحيضة التي بعده ، والطهر الذي يتلوها أقراء كلها ؛ فقد ظن جهلا ، وذلك أن الحكم عندنا في كل ما أنزله الله في كتابه على ما احتمله ظاهر التنزيل ما لم يبين الله تعالى ذكره لعباده ، أن مراده منه الخصوص ، إما بتنزيل في كتابه ، أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا خص منه البعض ، كان الذي خص من ذلك غير داخل في الجملة التي أوجب الحكم بها ، وكان سائرها على عمومها ، كما قد بينا في كتابنا : " كتاب لطيف القول من البيان عن أصول الأَحكام " وغيره من كتبنا . فالأَقراء التي هي أقراء الحيض بين طهري أقراء الطهر غير محتسبة من أقراء المتربصة بنفسها بعد الطلاق لإِجماع الجميع من أهل الإِسلام أن الأَقراء التي أوجب الله عليها تربصهن ثلاثة قروء ، بين كل قرء منهن أوقات مخالفات المعنى لأَقرائها التي تربصهن ، وإذ كن مستحقات عندنا أسم أقراء ، فإن ذلك من إجماع الجميع لم يجز لها التربص إلا على ما وصفنا قبل . وفي هذه الآية دليل وأضح على خطأ قول من قال : إن امرأة المولي التي آلى منها تحل للأَزواج بانقضاء الأَشهر الأَربعة إذا كانت قد حاضت ثلاث حيض في الأَشهر الأَربعة ؛ لأَن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليها العدة بعد عزم المولي على طلاقها ، وإيقاع الطلاق بها بقوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فأوجب تعالى ذكره على المرأة إذا صارت مطلقة تربص ثلاثة قروء فمعلوم أنها لم تكن مطلقة يوم آلى منها زوجها لإِجماع الجميع على أن طلاق الإِيلاء ليس بطلاق موجب على المولى منها العدة . وإذ كان ذلك كذلك ، فالعدة إنما تلزمها بعد للطلاق ، وعدة الطلاق إنما يلحقها بما قد بيناه قبل . وأما معنى قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ فإنه : والمخليات السبيل غير ممنوعات بأزواج ولا مخطوبات ، وقول القائل : فلانة مطلقه ، إنما هو مفعلة من قول القائل : طلق الرجل زوجته فهي مطلقة ؛ وأما قولهم : هي طالق ، فمن قولهم : طلقها زوجها فطلقت هي ، وهي تطلق طلاقا ، وهي طالق . وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول : طلقت المرأة وإنما قيل ذلك لها إذا خلاها زوجها ، كما يقال للنعجة المهملة بغير راع ولا كالئ إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مخلاة سبيلها . هي طالق فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها ، وسميت بما سميت به النعجة التي وصفنا أمرها . وأما قولهم : طلقت المرأة ، فمعنى غير هذا إنما يقال في هذا إذا نفست ، هذا من الطلق ، والأَول من الطلاق . وقد بينا أن التربص إنما هو التوقف عن النكاح ، وحبس النفس عنه في غير هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كتمان ما في الأرحام اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : ولا يحل لهن ، يعني للمطلقات أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض إذا طلقن ، حرم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلقوهن في الطلاق الذي عليهم لهن فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ،