محمد بن جرير الطبري
255
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثني الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن زياد الأَعلم ، عن الحسن ، مثله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن أبي قلابة قال : إن فاء في نفسه أجزأه ، يقول : قد فاء الإِيلاء . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن إسماعيل بن رجاء ، قال : ذكروا الإِيلاء عند إبراهيم ، فقال : أرأيت إن لم ينتشر ذكره ؟ إذا أشهد فهي امرأته . قال أبو جعفر : وإنما اختلف المختلفون في تأويل الفيء على قدر اختلافهم في معنى اليمين التي تكون إيلاء ، فمن كان من قوله : إن الرجل لا يكون موليا من امرأته الإِيلاء الذي ذكره الله في كتابه إلا بالحلف عليها أن لا يجامعها جعل الفيء الرجوع إلى فعل ما حلف عليه أن لا يفعله من جماعها ، وذلك الجماع في الفرج إذا قدر على ذلك وأمكنه ، وإذا لم يقدر عليه ولم يمكنه ، فإحداث النية أن يفعله إذا قدر عليه وأمكنه وإبداء ما نوى من ذلك بلسانه ليعلمه المسلمون في قول من قال ذلك . وأما قول من رأى أن الفيء هو الجماع دون غيره ، فإنه لم يجعل العائق له عذرا ، ولم يجعل له مخرجا من يمينه غير الرجوع إلى ما حلف على تركه وهو الجماع . وأما من كان من قوله : إنه قد يكون موليا منها بالحلف على ترك كلامها ، أو على أن يسوءها أو يغيظها ، أو ما أشبه ذلك من الأَيمان ، فإن الفيء عنده الرجوع إلى ترك ما حلف عليه أن يفعله مما فيه مساءتها بالعزم على الرجوع عنه وإبداء ذلك بلسانه في كل حال عزم فيها على الفيء . وأولى الأَقوال بالصحة في ذلك عندنا قول من قال : الفيء : هو الجماع ؛ لأَن الرجل لا يكون مؤليا عندنا من امرأته إلا بالحلف على ترك جماعها المدة التي ذكرنا للعلل التي وصفنا قبل . فإذ كان ذلك هو الإِيلاء فالفيء الذي يبطل حكم الإِيلاء عنه لا شك أنه غير جائز أن يكون إلا ما كان الذي آلى عليه خلافا لأَنه لما جعل حكمه إن لم يفئ إلى ما آلى على تركه الحكم الذي بينه الله لهم في كتابه كان الفيء إلى ذلك معلوما أنه فعل ما آلى على تركه إن أطاقه ، وذلك هو الجماع ، غير أنه إذا حيل بينه وبين الفيء الذي هو الجماع بعذر ، فغير كائن تاركا جماعها على الحقيقة ، لأَن المرء إنما يكون تاركا ما له إلى فعله وتركه سبيل ، فأما من لم يكن له إلى فعل أمر سبيل ، فغير كائن تاركه . وإذ كان ذلك كذلك فإحداث العزم في نفسه على جماعها مجزئ عنه في حال العذر ، حتى يجد السبيل إلى جماعها . وإن أبدى ذلك بلسانه وأشهد على نفسه في تلك الحال بالأَوبة والفيء كان أعجب إلي . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : فإن الله غفور لكم فيما اجترمتم بفيئكم إليهن من الحنث في اليمين التي حلفتم عليهن بالله أن لا تغشوهن ، رحيم بكم في تخفيفه عنكم كفارة الإِيلاء أيمانكم التي حلفتم عليهن ثم حنثتم فيها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الأَعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال : لا كفارة الإِيلاء عليه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : إذا فاء فلا كفارة الإِيلاء عليه . حدثنا المثنى ، قال : ثنا حماد بن موسى ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يرون في قول الله : فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أن كفارته كفارة الإِيلاء فيؤه . وهذا التأويل الذي ذكرنا هو التأويل الواجب على قول من زعم أن كل حانث في يمين هو في المقام عليها حرج ، فلا كفارة الإِيلاء عليه في حنثه فيها ، وإن كفارته الحنث فيها . وأما على قول من أوجب على الحانث في كل يمين حلف بها برا كان الحنث فيها أو غير بر ، فإن تأويله : فإن الله غفور للمؤلين من نسائهم فيما حنثوا فيه من إيلائهم ، فإن فاءوا فكفروا أيمانهم بما ألزم الله الحانثين في أيمانهم