محمد بن جرير الطبري

239

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ فأمروا بالصلة والمعروف والإِصلاح بين الناس ، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله وليدع يمينه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الآية ، قال ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر ولا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس ، فأمره الله أن يدع يمينه ويصل رحمه ويأمر بالمعروف ويصلح بين الناس . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا محمد بن حرب ، قال : ثنا ابن لهيعة ، عن أبي الأَسود ، عن عروة ، عن عائشة في قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ قالت : لا تحلفوا بالله وإن بررتم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : حدثت أن قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الآية ، نزلت في أبي بكر في شأن مسطح . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن مغيرة ، عن إبراهيم قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الآية ، قال : يحلف الرجل أن لا يأمر بالمعروف ، ولا ينهى عن المنكر ، ولا يصل رحمه . حدثني المثنى ، ثنا سويد ، أخبرنا ابن المبارك ، عن هشيم ، عن المغيرة ، عن إبراهيم في قوله : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ قال : يحلف أن لا يتقي الله ، ولا يصل رحمه ، ولا يصلح بين اثنين ، فلا يمنعه يمينه . حدثني ابن عبد الرحيم البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد ، عن مكحول أنه قال في قول الله تعالى ذكره : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ قال : هو أن يحلف الرجل أن لا يصنع خيرا ولا يصل رحمه ولا يصلح بين الناس ، نهاهم الله عن ذلك . وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : معنى ذلك لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبين الله وبين الناس . وذلك أن العرضة في كلام العرب : القوة والشدة ، يقال منه : هذا الأَمر عرضة له ، يعني بذلك : قوة لك على أسبابك ، ويقال : فلانة عرضة للنكاح : أي قوة ، ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق : من كل نضاخة الذفري إذا عرقت * عرضتها طامس الأَعلام مجهول يعني ب " عرضتها " : قوتها وشدتها . فمعنى قوله تعالى ذكره : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ إذا : لا تجعلوا الله قوة لأَيمانكم في أن لا تبروا ، ولا تتقوا ، ولا تصلحوا بين الناس ، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإِصلاح بين الناس فليحنث في يمينه ، وليبر ، وليتق الله ، وليصلح بين الناس ، كفارة اليمين وليكفر عن يمينه . وترك ذكر " لا " من الكلام لدلالة الكلام عليها واكتفاء بما ذكر عما ترك ، كما قال امرؤ القيس : فقلت يمين الله أبرح قاعدا * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي بمعنى : فقلت : يمين الله لا أبرح . فحذف " لا " اكتفاء بدلالة الكلام عليها . وأما قوله : أَنْ تَبَرُّوا فإنه اختلف في تأويل البر الذي عناه الله تعالى ذكره ، فقال بعضهم : هو فعل الخير كله . وقال آخرون : هو البر بذي رحمه ، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى . وأولى ذلك بالصواب قول من قال : عنى به فعل الخير كله ، وذلك أن أفعال الخير كلها من البر . ولم يخصص الله في قوله أَنْ تَبَرُّوا معنى دون معنى من معاني البر ، فهو على عمومه ، والبر بذوي القرابة أحد معاني البر . وأما قوله : وَتَتَّقُوا فإن معناه : أن تتقوا ربكم فتحذره وتحذروا عقابه في فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدوها ، وقد ذكرنا تأويل من تأول ذلك أنه بمعنى التقوى قبل . وقال آخرون في تأويله بما : حدثني به محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في قوله : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا قال : كان الرجل