محمد بن جرير الطبري

20

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مكة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني مشركي قريش . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، وابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : هم مشركو العرب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : هم مشركو قريش . قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد أيقول مثل قول عطاء . فإن قال قائل : وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه ، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال . ومعنى الكلام : لئلا يكون لأَحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة غير مشركي قريش ، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حق بقيلهم لكم : رجع محمد إلى قبلتنا ، وسيرجع إلى ديننا . فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش سائر الناس غيرهم ، إذ نفي أن يكون لأَحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد صلى الله عليه وسلم قال مجاهد : يقول : حجتهم ، قولهم : قد راجعت قبلتنا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شيل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله ؛ إلا أنه قال قولهم : قد رجعت إلى قبلتنا . حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : ثنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قالا : هم مشركو العرب ، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم . قال الله عز وجل : فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي . حدثنا بشر بن معاذ قال : ثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش ، يقول : إنهم سيحتجون عليكم بذلك فكانت حجتهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا ، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فيما يذكر عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : لما صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه ، فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ، ويوشك أن يدخل في دينكم . فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي . حدثنا القاسم ، قال : حدثني الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قلت ل‌عطاء : قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : قالت قريش لما رجع إلى الكعبة وأمر بها : ما كان يستغني عنا قد استقبل قبلتنا . فهي حجتهم ، وهم الذين ظلموا . قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد ا يقول مثل قول عطاء ، فقال مجاهد : حجتهم : قولهم رجعت إلى قبلتنا . فقد أبان تأويل من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عن صحة ما قلنا في تأويله وأنه استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عما قبلهم ، كما أن قول القائل : وما سار من الناس أحد إلا أخوك " إثبات للأَخ من السير ما هو منفي عن كل أحد من الناس ، فكذلك