محمد بن جرير الطبري

214

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك الصدقة المفروضة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن قيس بن سعد ، أو عيسى عن قيس ، عن مجاهد شك أبو عاصم قول الله جل وعز : قُلِ الْعَفْوَ قال : الصدقة المفروضة . وأولى هذه الأَقوال بالصواب قول من قال : معنى العفو : الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مئونتهم وما لا بد لهم منه . وذلك هو الفضل الذي تظاهرت به الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِذن في الصدقة ، وصدقته في وجه البر . ذكر بعض الأَخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك : حدثنا علي بن مسلم ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رجل يا رسول الله عندي دينار قال : الإِنفاق " أنفقه على نفسك ؟ " قال : عندي آخر قال : " أنفقه على أهلك " قال : عندي آخر قال : " أنفقه على ولدك " قال : عندي آخر قال : " فأنت أبصر " . حدثني محمد بن معمر البحراني ، قال : ثنا روح بن عبادة ، قال : ثنا ابن جريج ، قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإِنفاق " إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه ، فإن كان لا فضل فليبدأ مع نفسه بمن يعول ، ثم إن وجد فضلا بعد ذلك فليتصدق على غيرهم " . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم ، عن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ببيضة من ذهب أصابها في بعض المعادن ، فقال : يا رسول الله ، خذ هذه مني صدقة ، فوالله ما أصبحت أملك غيرها فأعرض عنه ، فأتاه من ركنه الأَيمن ، فقال له مثل ذلك ، فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك فأعرض عنه . ثم قال له مثل ذلك ، فقال : " هاتها " مغضبا ، فأخذها فحذفه بها حذفة لو أصابه شجه أو عقره ، ثم قال : " يجيء أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس إنما الإِنفاق الصدقة عن ظهر غنى " . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن إبراهيم المخرمي ، قال : سمعت أبا الأَحوص يحدث عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الإِنفاق " ارضخ من الفضل ، وابدأ بمن تعول ، ولا تلام على كفاف " . وما أشبه ذلك من الأَخبار التي يطول باستقصاء ذكرها الكتاب . فإذا كان الذي أذن صلى الله عليه وسلم لأَمته الصدقة من أموالهم بالفضل عن حاجة المتصدق الفضل من ذلك ، هو العفو من مال الرجل ؛ إذ كان العفو في كلام العرب في المال وفي كل شيء هو الزيادة والكثرة ، ومن ذلك قوله جل ثناؤه : حَتَّى عَفَوْا بمعنى : زادوا على ما كانوا عليه من العدد وكثروا ، ومنه قول الشاعر : ولكنا يعض السيف منا * بأسوق عافيات الشحم كوم يعني به كثيرات الشحوم . ومن ذلك قيل للرجل : خذ ما عفا لك من فلان ، يراد به : ما فضل فصفا لك عن جهده بما لم تجهده . كان بينا أن الذي أذن الله به في قوله قُلِ الْعَفْوَ لعباده من النفقة ، فأذنهم بإنفاقه إذا أرادوا إنفاقه هو الذي بين لأَمته رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " خير الصدقة ما أنفقت عن غنى " وإذنهم به . فإن قال لنا قائل : وما تنكر أن يكون ذلك العفو هو الصدقة المفروضة ؟ قيل : أنكرت ذلك لقيام الحجة على أن من حلت في ماله الزكاة المفروضة ، فهلك جميع ماله إلا قدر الذي لزم ماله لأَهل سهمان الصدقة ، أن عليه أن يسلمه إليهم ، إذا كان هلاك ماله بعد تفريطه في أداء الواجب كان لهم ماله إليهم ، وذلك لا شك أنه جهده إذا سلمه إليهم لا عفوه ،