محمد بن جرير الطبري

205

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يوم من جمادي ، وهو أول يوم من رجب ، فقتل المسلمون ابن الحضرمي ، فقال المشركون : ألستم تزعمون أنكم تحرمون الشهر الحرام والبلد الحرام ؟ وقد قتلتم في الشهر الحرام ، فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ إلى قوله أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من الذي استكبرتم من قتل ابن الحضرمي والفتنة التي أنتم عليها مقيمون ، يعني الشرك أكبر من القتل . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة ، قال : وكان يسميها ، يقول : لقي واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي ببطن نخلة فقتله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ فيمن نزلت ؟ قال : لا أدري ، قال ابن جريج : قال عكرمة ومجاهد : في عمرو بن الحضرمي ، قال ابن جريج : وأخبرنا ابن أبي حسين عن الزهري ذلك أيضا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ قال يقول : صد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه ، فعل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمي ، والفتنة أكبر من القتل كفر بالله وعبادة الأَوثان أكبر من هذا كله . حدثت عن الحسين بن الفرح ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فعير المشركون المسلمين بذلك ، فقال الله : قتال في الشهر الحرام كبير ، وأكبر من ذلك صد عن سبيل الله وكفر به ، وإخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام . وهذان الخبران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك ، ينبئان عن صحة ما قلنا في رفع " الصد " به ، وإن رافعه " أكبر عند الله " ، وهما يؤكدان صحة ما روينا في ذلك عن ابن عباس ، ويدلان على خطأ من زعم أنه مرفوع على العطف على الكبير . وقول من زعم أن معناه : وكبير صد عن سبيل الله ، وزعم أن قوله : " وإخراج أهله منه أكبر عند الله " خبر منقطع عما قبله مبتدأ . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن الشعبي في قوله : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ قال : يعني به الكفر . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من ذلك . ثم عير المشركين بأعمالهم أعمال السوء فقال : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ أي الشرك بالله أكبر من القتل . وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك روي عن ابن عباس . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قال : لما قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب ، أرسل المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيرونه بذلك ، فقال : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وغير ذلك أكبر منه : صد عن سبيل الله ، وكفر به ، والمسجد الحرام ، وإخراج أهله منه أكبر من الذي أصاب محمد صلى الله عليه وسلم . وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في الذي ارتفع به قوله : وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فقال بعض نحويي الكوفيين في رفعه وجهان : أحدهما : أن يكون الصد مردودا على الكبير ، يريد : قل القتال فيه كبير ، وصد عن سبيل الله وكفر به ، وإن شئت جعلت الصد كبيرا ، يريد به : قل القتال فيه كبير ، وكبير الصد عن سبيل الله والكفر به ، قال : فأخطأ ، يعني الفراء في كلا تأويليه ، وذلك أنه إذا رفع الصد عطفا به على كبير ، يصير تأويل الكلام : قل القتال في الشهر الحرام كبير ، وصد عن سبيل الله ، وكفر بالله . وذلك من التأويل خلاف ما عليه أهل الإِسلام جميعا ، لأَنه لم يدع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال في الأَشهر الحرم كفرا بالله ، بل ذلك غير جائز أن يتوهم على عاقل يعقل ما يقول أن يقوله ، وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة ، والله جل ثناؤه يقول في أثر ذلك : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ فلو كان الكلام على ما رآه جائزا في تأويله هذا ، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام كان أعظم عند الله من الكفر به ، وذلك أنه يقول في أثره : وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وفي قيام الحجة بأن لا شيء أعظم عند الله من الكفر به ، ما يبين عن خطأ هذا القول وأما إذا رفع الصد بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر ، وذلك رفعه بمعنى : وكبير صد عن سبيل الله ، ثم قيل : وإخراج أهله منه