محمد بن جرير الطبري
197
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مستثنى باستثناء آخر . وأن تأويل الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ، ما اختلفوا فيه إلا بغيا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات . فكأنه كرر الكلام توكيدا . وهذا القول الثاني أشبه بتأويل الآية ، لأَن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله ، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيا ، فذلك أشبه بتأويل الآية . القول في تأويل قوله تعالى : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني جل ثناؤه بقوله : فَهَدَى اللَّهُ فوفق الذين آمنوا وهم أهل الإِيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه . وكان اختلافهم الذي خذلهم الله فيه ، وهدى له الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فوفقهم لإِصابته : الجمعة ، ضلوا عنها وقد فرضت عليهم كالذي فرض علينا ، فجعلوها السبت ؛ فقال صلى الله عليه وسلم " نحن الآخرون السابقون ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا الله ، فلليهود غدا وللنصارى بعد غد " . حدثنا بذلك أحمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عياض بن دينار الليثي ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم . فذكر الحديث . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الأَعمش ، عن أبي صالح عن أبي هريرة : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ونحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، نحن أول الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فهذا اليوم الذي هدانا الله له والناس لنا فيه تبع ، غدا اليهود ، وبعد غد للنصارى " . وكان مما اختلفوا فيه أيضا ما قال ابن زيد ، وهو ما : حدثني به يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا للإِسلام ، واختلفوا في الصلاة ، فمنهم من يصلي إلى المشرق ، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس ، فهدانا للقبلة ؛ واختلفوا في الصيام ، فمنهم من يصوم بعض يوم ، وبعضهم بعض ليلة ، وهدانا الله له . واختلفوا في يوم الجمعة ، فأخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأَحد ، فهدانا الله له . واختلفوا في إبراهيم ، فقالت اليهود كان يهوديا ، وقالت النصارى كان نصرانيا ، فبرأه الله من ذلك ، وجعله حنيفا مسلما ، وما كان من المشركين الذين يدعونه من أهل الشرك . واختلفوا في عيسى ، فجعلته اليهود لفرية ، وجعلته النصارى ربا ، فهدانا الله للحق فيه ؛ فهذا الذي قال جل ثناؤه . فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ قال : فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد ، وبما جاء به لما اختلف هؤلاء الأَحزاب من بني إسرائيل الذين أوتوا الكتاب فيه من الحق بإذنه أن وفقهم لإِصابة ما كان عليه من الحق من كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية إذ كانوا أمة واحدة ، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمن ، فصاروا بذلك أمة وسطا ، كما وصفهم به ربهم ليكونوا شهداء على الناس . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه عن الربيع : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف ، أقاموا على الإِخلاص لله وحده وعيادته لا شريك له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فأقاموا على الأَمر الأَول الذي كان قبل الاختلاف ، واعتزلوا الاختلاف فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة ؛ كانوا شهداء على قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم شعيب ، وآل فرعون ، أن رسلهم قد بلغوهم ، وأنهم كذبوا رسلهم . وهي في قراءة أبي بن كعب : وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . فكان أبو العالية يقول في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يقول : اختلف الكفار فيه ، فهدى الله الذي آمنوا للحق من ذلك ؛ وهي في قراءة ابن مسعود : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه على الإِسلام . وأما قوله : بِإِذْنِهِ فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له ، وقد بينا معنى الإِذن إذ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته هاهنا . وأما قوله : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فإنه يعني به : والله يسدد من