محمد بن جرير الطبري

193

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يعني جل ثناؤه بذلك : وفصل القضاء بالعدل بين الخلق ، على ما ذكرناه قبل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من أخذ الحق لكل مظلوم من كل ظالم ، حتى القصاص للجماء من القرناء من البهائم " . وأما قوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فإنه يعني : وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة والحكم بينهم في أمورهم التي جرت في الدنيا من ظلم بعضهم بعضا ، واعتداء المعتدي منهم حدود الله ، وخلاف أمره ، وإحسان المحسن منهم ، وطاعته إياه فيما أمره به ، فيفصل بين المتظالمين ، ويجازي أهل الإِحسان بالإِحسان ، وأهل الإِساءة بما رأى ، ويتفضل على من لم يكن منهم كافرا فيعفو ؛ ولذلك قال جل ثناؤه : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ وإن كانت أمور الدنيا كلها والآخرة من عنده مبدؤها وإليه مصيرها ، إذ كان خلقه في الدنيا يتظالمون ، ويلي النظر بينهم أحيانا في الدنيا بعض خلقه ، فيحكم بينهم بعض عبيده ، فيجور بعض ، ويعدل بعض ، ويصيب واحد ، ويخطئ واحد ، ويمكن من تنفيذ الحكم على بعض ، ويتعذر ذلك على بعض لمنعة جانبه وغلبته بالقوة . فأعلم عباده تعالى ذكره أن مرجع جميع ذلك إليه في موقف القيامة ، فينصف كلا من كل ، ويجازي حق الجزاء كلا ، حيث لا ظلم ولا ممتنع من نفوذ حكمه عليه ، وحيث يستوي الضعيف والقوي ، والفقير والغني ، ويضمحل الظلم وينزل سلطان العدل . وإنما أدخل جل وعز الأَلف واللام في الأَمور لأَنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأَمور ، ولم يعن بها بعضا دون بعض ، فكان ذلك بمعنى قول القائل : يعجبني العسل ، والبغل أقوى من الحمار ، فيدخل فيه الأَلف واللام ، لأَنه لم يقصد به قصد بعض دون بعض ، إنما يراد به العموم والجمع . القول في تأويل قوله عز ذكره : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ يعني بذلك جل ثناؤه : سل يا محمد بني إسرائيل الذين لا ينتظرون بالإِنابة إلى طاعتي ، والتوبة إلي بالإِقرار بنبوتك وتصديقك فيما جئتهم به من عندي ، إلا إن آتيهم في ظلل من الغمام وملائكتي ، فأفصل القضاء بينك وبين من آمن بك وصدقك بما أنزلت إليك من كتبي ، وفرضت عليك وعليهم من شرائع ديني وبينهم كم جئتهم به من قبلك من آية وعلامة ، على ما فرضت عليهم من فرائضي ، فأمرتهم به من طاعتي ، وتابعت عليهم من حججي على أيدي أنبيائي ورسلي من قبلك مؤيدة لهم على صدقهم بينة أنها من عندي ، واضحة أنها من أدلتي على صدق نذري ورسلي فيما افترضت عليهم من تصديقهم وتصديقك ، فكفروا حججي ، وكذبوا رسلي ، وغيروا نعمي قبلهم ، وبدلوا عهدي ووصيتي إليهم . وأما الآية فقد بينت تأويلها فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية وهي هاهنا . ما : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ما ذكر الله في القرآن وما لم يذكر ، وهم اليهود . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ يقول : آتاهم الله آيات بينات : عصا موسى ويده ، وأقطعهم البحر ، وأغرق عدوهم وهم ينظرون ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى . وذلك من آيات الله التي آتاها بني إسرائيل في آيات كثيرة غيرها ، خالفوا معها أمر الله ، فقتلوا أنبياء الله ورسله ، وبدلوا عهده ووصيته إليهم ، قال الله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وإنما أنبأ الله نبيه بهذه الآيات ، فأمره بالصبر على من كذبه ، واستكبر على ربه ، وأخبره أن ذلك فعل من قبله من أسلاف الأَمم قبلهم بأنبيائهم ، مع مظاهرته عليهم الحجج ، وأن من هو بين أظهرهم من اليهود إنما هم من بقايا من جرت عادتهم ممن قص عليه قصصهم من بني إسرائيل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يعني بالنعم جل ثناؤه الإِسلام وما فرض من شرائع دينه . ويعني بقوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ومن يغير ما عاهد الله في نعمته التي هي الإِسلام من العمل والدخول فيه فيكفر به ، فإنه معاقبه بما أوعد على الكفر به من العقوبة ، والله شديد عقابه ، أليم عذابه . فتأويل الآية إذا يا أيها الذين آمنوا بالتوراة فصدقوا بها ، ادخلوا في الإِسلام جميعا ، ودعوا الكفر ، وما دعاكم إليه الشيطان من ضلالته ، وقد جاءتكم البينات من عندي بمحمد ، وما أظهرت على يديه لكم من الحجج والعبر ، فلا تبدلوا عهدي إليكم فيه وفيما جاءكم به من عندي في كتابكم بأنه نبي