محمد بن جرير الطبري
189
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وبما جاء به إلى الإِسلام ؟ قيل : وجه دعائه إلى ذلك الأَمر له بالعمل بجميع شرائعه ، وإقامة جميع أحكامه وحدوده ، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه . وإذا كان ذلك معناه ، كان قوله كَافَّةً من صفة السلم ، ويكون تأويله : ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم ، ولا تضيعوا شيئا منه يا أهل الإِيمان بمحمد وما جاء به . وبنحو هذا المعنى كان يقول عكرمة في تأويل ذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة قوله : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : نزلت في ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابني كعب وشعبة بن عمرو وقيس بن زيد ، كلهم من يهود ، قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه ، وإن التوراة كتاب الله ، فدعنا فلنقم بها بالليل فنزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ فقد صرح عكرمة بمعنى ما قلنا في ذلك من أن تأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإِسلام ، والعمل بجميع شرائع الإِسلام ، والنهي عن تضييع شيء من حدوده . وقال آخرون : بل الفريق الذي دعي إلى السلم فقيل لهم ادخلوا فيه بهذه الآية هم أهل الكتاب ، أمروا بالدخول في الإِسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال . قال ابن عباس في قوله : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً يعني أهل الكتاب . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قول الله عز وجل : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : يعني أهل الكتاب . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإِسلام كلها ، وقد يدخل في الذين آمنوا المصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما حاء به ، والمصدقون بمن قبله من الأَنبياء والرسل ، وما جاءوا به ، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإِسلام وحدوده ، والمحافظة على فرائضه التي فرضها ، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك ، فالآية عامة لكل من شمله اسم الإِيمان ، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض . وبمثل التأويل الذي قلنا في ذلك كان مجاهد يقول . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : ادخلوا في الإِسلام كافة ، ادخلوا في الأَعمال كافة . القول في تأويل قوله تعالى : كَافَّةً يعني جل ثناؤه كَافَّةً عامة جميعا . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة قوله : فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : جميعا . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : جميعا . وحدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : جميعا ، وعن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع بن الجراح ، عن النضر ، عن مجاهد ، ادخلوا في الإِسلام جميعا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس : كَافَّةً جميعا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن ريد : كَافَّةً جميعا ، وقرأ . وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً جميعا . حدثت عن الحسين ، قال . سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً قال : جميعا . القول في تأويل قوله تعالى . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يعني جل ثناؤه . بذلك : اعملوا أيها المؤمنون بشرائع الإِسلام كلها ، وأدخلوا في التصديق به قولا وعملا ، ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدو مبين لكم عداوته . وطريق الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإِسلام وشرائعه ، ومنه تسبيت السبت وسائر سنن أهل الملل التي تخالف ملة الإِسلام . وقد بينت معنى الخطوات بالأَدلة الشاهدة على صحته فيما مضى ، فكرهت إعادته في هذا المكان . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يعني بذلك جل ثناؤه : فإن أخطأتم الحق ، فضللتم عنه ، وخالفتم الإِسلام وشرائعه ، من بعد ما جاءتكم حججي وبينات هداي ، واتضحت لكم صحة أمر الإِسلام بالأَدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون ، فاعلموا أن الله ذو عزة ، لا يمنعه من الانتقام منكم مانع ، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتكما أمره ومعصيتكم إياه دافع ، حكيم فيما يفعل بكم