محمد بن جرير الطبري

181

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك ، التي : حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي ، قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن حجاج ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عمرة قالت : سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحل المحرم ؟ فقالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رميتم وذبحتم وحلقتم حل لكم كل شيء إلا النساء " . قال : وذكر الزهري عن عمرة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . وأما الذي تأول ذلك أنه بمعنى : لا إثم عليه إلى عام قابل قلا وجه لتحديد ذلك بوقت ، وإسقاطه الإِثم عن الحاج سنة مستقبلة ، دون آثامه السالفة ، لأَن الله جل ثناؤه لم يحصر ذلك على نفي إثم وقت مستقبل بظاهر التنزيل ، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل دلالة ظاهر التنزيل تبين عن أن المتعجل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأَحوال ، والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به خارج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . ففي ذلك من دلالة ظاهر التنزيل ، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة واضحة على فساد قول من قال : معنى قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل . فإن قال لنا قائل : ما الجالب اللام في قوله : لِمَنِ اتَّقى وما معناها ؟ قيل : الجالب لها معنى قوله . فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لأَن في قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ معنى حططنا ذنوبه وكفرنا آثامه ، فكان في ذلك معنى : جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه ، فترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر ، فقال : لِمَنِ اتَّقى أي هذا لمن اتقى . وأنكر بعضهم ذلك من قوله ، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به ، لأَنها لا تقوم بنفسها ، ولكنها فيما زعم من صلة " قول " متروك ، فكان معنى الكلام عنده " قلنا " : ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ، وقام قوله : وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ مقام القول . وزعم بعض أهل العربية أن موضع طرح الإِثم في المتعجل ، فجعل في المتأخر ، وهو الذي أدى ولم يقصر ، مثل ما جعل على المقصر ، كما يقال في الكلام : إن تصدقت سرا فحسن ، وإن أظهرت فحسن . وهما مختلفان ، لأَن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن ، وإن كان الإِسرار أحسن وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحسن وصف إحداهما بالإِثم ؛ وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإِثم عنهما ، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإِثم على ما تأوله قائلوا هذه المقالة . وفي إجماع الجميع على أنهما جميعا لو تركا النفر وأقاما بمنى لم يكونا آثمين ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول . وقال أيضا : فيه وجه آخر ، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يؤثم أحد الفريقين الآخر ، كأنه أراد بقوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لا يقل المتعجل للمتأخر : أنت آثم ، ولا المتأخر للمتعجل أنت آثم بمعنى : فلا يؤثمن أحدهما الآخر . وهذا أيضا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالف ، وكفى بذلك شاهدا على خطئه . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فرض عليكما من فرائضه ، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها ، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككم أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصروا في أدائه والقيام به ، ولعلموا أنكم إليه تحشرون ، فمجازيكم هو بأعمالكم ، المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، وموف كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين ، بقوله جل ثناؤه : ومن الناس من يعجبك يا محمد ظاهر قوله وعلانيته ، ويستشهد الله على ما في قليه ، وهو ألد الخصام ، جدل بالباطل . ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت فيه هذه الآية ، قال بعضهم . نزلت في الأَخنس بن شريق ، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزعم أنه يريد الإِسلام ، وحلف أنه ما قدم إلا لذلك ، ثم خرج فأفسد أموالا من أموال المسلمين . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ قال : نزلت في الأَخنس بن شريق الثقفي ، وهو حليف لبني زهره . وأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فأظهر له الإِسلام ، فأعجب النبي صلى الله