محمد بن جرير الطبري
15
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وسلم من البيت ، فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة ، فقال : " هذه القبلة " مرتين . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن أسامة بن زيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه . حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : سمعت ابن عباس يقول : إنما أمرتم بالطواف ، ولم تؤمروا بدخوله . قال : لم يكن ينهى عن دخوله ، ولكني سمعته يقول : أخبرني أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصل حتى خرج ، فلما خرج ركع في قبل القبلة ركعتين وقال : " هذه القبلة " قال أبو جعفر : فأخبر صلى الله عليه وسلم أن البيت هو القبلة ، وأن قبلة البيت بابه . القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ يعني جل ثناؤه بذلك : فأينما كنتم من الأَرض أيها المؤمنون فحولوا وجوهكم في صلاتكم نحو المسجد الحرام وتلقاءه . والهاء التي في " شطره " عائدة إلى المسجد الحرام . فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى . وأدخلت الفاء في قوله : فَوَلُّوا جوابا للجزاء ، وذلك أن قوله : حَيْثُ ما كُنْتُمْ جزاء ، ومعناه : حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني بقوله جل ثناؤه : وإن الذين أوتوا الكتاب أحبار اليهود وعلماء النصارى . وقد قيل إنما عنى بذلك اليهود خاصة . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أنزل ذلك في اليهود . وقوله : لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني هؤلاء الأَحبار والعلماء من أهل الكتاب ، يعلمون أن التوجه نحو المسجد الحق الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده . ويعني بقوله : مِنْ رَبِّهِمْ أنه الفرض الواجب على عباد الله تعالى ذكره ، وهو الحق من عند ربهم فرضه عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ يعني بذلك تبارك وتعالى : وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون في اتباعكم أمره وانتهائكم إلى طاعته فيما ألزمكم من فرائضه وإيمانكم به في صلاتكم نحو بيت المقدس ثم صلاتكم من بعد ذلك شطر المسجد الحرام ، ولا هو ساه عنه ، ولكنه جل ثناؤه يحصيه لكم ويدخره لكم عنده حتى يجازيكم به أحسن جزاء ، ويثيبكم عليه أفضل ثواب . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . . . قِبْلَةَ بَعْضٍ يعني بذلك تبارك اسمه : ولئن جئت يا محمد اليهود والنصارى بكل برهان وحجة وهي الآية بأن الحق هو ما جئتهم به من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام ، ما صدقوا به ولا اتبعوا مع قيام الحجة عليهم بذلك قبلتك التي حولتك إليها وهي التوجه شطر المسجد الحرام . وأجيبت " لئن " بالماضي من الفعل وحكمها الجواب بالمستقبل تشبيها لها ب " ولو " ، فأجيبت بما تجاب به لو لتقارب معنييهما ؛ وقد مضى البيان عن نظير ذلك فيما مضى . وأجيبت " لو " بجواب الأَيمان ، ولا تفعل العرب ذلك إلا في الجزاء خاصة ؛ لأَن الجزاء مشابه اليمين في أن كل واحد منهما لا يتم أوله إلا بآخره ، ولا يتم وحده ، ولا يصح إلا بما يؤكد به بعده ، فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء صارت اللام الأَولى بمنزلة يمين والثانية بمنزلة جواب لها ، كما قيل : لعمرك لتقومن ، إذ كثرت اللام من ولعمرك " حتى صارت كحرف من حروفه ، فأجيب بما يجاب به الأَيمان ، إذ كانت اللام تنوب في الأَيمان عن الأَيمان دون سائر الحروف غير التي هي أحق به الأَيمان ، فتدل على الأَيمان وتعمل عمل الأَجوبة ولا تدل سائر أجوبة الأَيمان لنا على الأَيمان ؛ فشبهت اللام التي في جواب الأَيمان بالأَيمان لما وصفنا ، فأجيبت بأجوبتها . فكان معنى الكلام إذ كان الأَمر على ما وصفنا : لو أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك . وأما قوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ يقول : وما لك من سبيل يا محمد إلى اتباع قبلتهم ، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها ، وأن النصارى تستقبل المشرق ، فأنى يكون لك السبيل إلى اتباع قبلتهم مع اختلاف وجوهها . يقول : فالزم قبلتك التي أمرت بالتوجه إليها ، ودع عنك ما تقوله اليهود والنصارى وتدعوك