محمد بن جرير الطبري

164

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فمنه تزودوا . وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن الضحاك بن مزاحم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى قال : والتقوى عمل بطاعة الله . وقد بينا معنى التقوى فيما مضى بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ يعني بذلك جل ثناؤه : واتقون يا أهل العقول والأَفهام بأداء فرائضي عليكم التي أوجبتها عليكم في حجكم ومناسككم وغير ذلك من ديني الذي شرعته لكم ، وخافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم ؛ تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي ، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي . وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الأَلباب ، لأَنهم أهل التمييز بين الحق والباطل ، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأَشياء التي بالعقول تدرك وبالأَلباب تفهم ، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا ، إذ كانوا أشباحا كالأَنعام ، وصورا كالبهائم ، بل هم منها أضل سبيلا . والأَلباب : جمع لب ، وهو العقل . القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ يعني بذلك جل ذكره : ليس عليكم أيها المؤمنون جناح . والجناح : الحرج ؛ كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وهو لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإِحرام وبعده . وقوله : أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ يعني أن تلتمسوا فضلا من عند ربكم ، يقال منه : ابتغيت فضلا من الله ومن فضل الله أبتغيه ال ابتغاء : إذا طلبته والتمسته ، وبغيته أبغيه بغيا ، كما قال عبد بني الحسحاس : بغاك وما تبغيه حتى وجدته * كأنك قد واعدته أمس موعدا يعني طلبك والتمسك . وقيل : إن معنى ابتغاء الفضل من الله : التماس رزق الله بالتجارة ، وأن هذه الآية نزلت في قوم كانوا لا يرون أن يتجروا إذا أحرموا يلتمسون البر بذلك ، فأعلمهم جل ثناؤه أن لا بر في ذلك ، وأن لهم التماس فضله بالبيع والشراء . ذكر من قال ذلك : حدثني نصر بن عبد الرحمن الأَودي ، قال : ثنا المحاربي ، عن عمر بن ذر ، عن مجاهد ، قال : كانوا يحجون ولا يتجرون ، فأنزل الله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال : في الموسم . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عمر بن ذر ، قال : سمعت مجاهد ا يحدث ، قال : كان ناس لا يتجرون أيام الحج ، فنزلت فيهم لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ حدثني محمد بن عمارة الأَسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا أبو ليلى ، عن بريدة في قوله تبارك وتعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال : إذا كنتم محرمين أن تبيعوا وتشتروا . حدثنا طليق بن محمد الواسطي ، قال : أخبرنا أسباط ، قال : أخبرنا الحسن ابن عمرو ، عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إنا قوم نكري فهل لنا حج ؟ قال : أليس تطوفون بالبيت وتأتون المعرف وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم ؟ فقلنا : بلى . قال : جاء رجل إلى النبي : صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه ، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ إلى آخر الآية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتم حجاج " حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : أخبرنا أيوب ، عن عكرمة ، قال : كانت تقرأ هذه الآية : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " . حدثنا عبد الحميد ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن منصور بن المعتمر في قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قال : هو التجارة في البيع والشراء ، والاشتراء لا بأس به . حدثت عن أبي هشام الرفاعي ، قال : ثنا وكيع ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، عن علي بن مسهر ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، قال : كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ وذو المجاز ، فلما جاء الإِسلام كأنهم كرهوا ذلك ، حتى أنزل الله جل ثناؤه : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا شبابة بن سوار ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي أميمة ، قال : سمعت ابن عمر ، وسئل عن الرجل يحج ومعه تجارة ، فقرأ ابن عمر : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ حدثني يعقوب