محمد بن جرير الطبري
148
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كفر من المحرمين عن الواجب على من ترك رمي الجمرات أيام منى يوم عرفة ، وهو ينوي ترك الجمرات ، ثم أقام بمنى أيام منى حتى انقضت تاركا رمي الجمرات ، هل يجزيه تكفيره ذلك عن الواجب عليه في ترك ما ترك من ذلك ؟ فإن زعم أن ذلك يجزيه ، سئل عن مثل ذلك في جميع مناسك الحج التي أوجب الله في تضييعه على المحرم أو في فعله كفارة ، فإن سوى بين جميع ذلك قاد قوله ، وسئل عن نظير ذلك في العازم على أن يجامع في شهر رمضان ، وهو مقيم صحيح إذا كفر قبل دخول الشهر ، ودخل الشهر ففعل ما كان عازما عليه هل تجزيه كفارته التي كفر عن الواجب من وطئه ذلك ، وكذلك يسئل عمن أراد أن يظاهر من امرأته ، فإن قاد قوله في ذلك ، خرج من قول جميع الأَمة . وإن أبى شيئا من ذلك ، سئل الفرق بينه وبين الصائم لمتعته قبل تمتعه وقبل إحرامه بالحج ، ثم عكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ يعني جل ثناؤه بذلك : فمن لم يجد ما استيسر من الهدي ، فعليه صيام ثلاثة أيام في حجه وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره . فإن قال لنا قائل : أو ما يجب عليه صوم السبعة الأَيام بعد الأَيام الثلاثة التي يصومهن في الحج إلا بعد رجوعه إلى مصره وأهله ؟ قيل : بل قد أوجب الله عليه صوم الأَيام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته ، ولكن الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخص لمن أوجب ذلك عليه ، كما رخص للمسافر والمريض في شهر رمضان الإِفطار وقضاء عدة ما أفطر من الأَيام من أيام أخر . ولو تحمل المتمتع فصام الأَيام السبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه ، أو صامهن بمكة ، كان مؤديا ما عليه من فرض الصوم في ذلك ، وكان بمنزلة الصائم شهر رمضان في سفره أو مرضه ، مختارا للعسر على اليسر . وبالذي قلنا في ذلك قالت علماء الأَمة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ قال : هي صيام سبعة أيام إذا رجع رخصة إن شاء صامها في الطريق . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ قال : هن صيام سبعة أيام إذا رجع رخصة إن شاء صامها في الطريق ، وإن شاء صامها بعد ما يرجع إلى أهله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن مجاهد ، نحوه . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ قال : صيام سبعة أيام إذا رجع إن شاء صامها في الطريق ، وإنما هي رخصة . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : إن شئت صم السبعة صيام سبعة أيام إذا رجع في الطريق ، وإن شئت إذا رجعت إلى أهلك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن قطر ، عن عطاء ، قال : يصوم السبعة صيام سبعة أيام إذا رجع إذا رجع إلى أهله أحب إلي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ صيام سبعة أيام إذا رجع قال : إن شئت في الطريق ، وإن شئت بعد ما تقدم إلى أهلك . فإن قال : وما برهانك على أن معنى قوله : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ صيام سبعة أيام إذا رجع إذا رجعتم إلى أهليكم وأمصاركم دون أن يكون معناه : إذا رجعتم من منى إلى مكة ؟ قيل : إجماع جميع أهل العلم على أن معناه ما قلنا دون غيره . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء في قوله : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ صيام سبعة أيام إذا رجع قال : إذا رجعت إلى أهلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ صيام سبعة أيام إذا رجع إذا رجعتم إلى أمصاركم . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير : وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ صيام سبعة أيام إذا رجع قال : إلى أهلك . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : كامِلَةٌ فقال بعضهم : معنى ذلك : فصيام الثلاثة الأَيام في الحج والسبعة الأَيام بعد ما يرجع إلى أهله عشرة كاملة من الهدي . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن عباد ، عن الحسن في قوله : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ قال : كاملة من الهدي . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا هشيم ، عن عباد ، عن الحسن ، مثله . وقال آخرون : بل معنى ذلك عشرة كاملة : كملت لكم أجر من أقام على إحرامه ولم يحل ولم يتمتع تمتعكم بالعمرة إلى الحج . وقال آخرون : معنى ذلك الأَمر وإن كان مخرجه مخرج الخبر ، وإنما عنى بقوله : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ تلك عشرة أيام فأكملوا صومها