محمد بن جرير الطبري

141

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أهل مسكنة مكان دون مكان ، كما شرط في هدي الجزاء بلوغ الكعبة ، فليس لأَحد أن يدعي أن ذلك لأَهل مكان دون مكان ، إذ لم يكن الله شرط ذلك لأَهل مكان بعينه ، كما ليس لأَحد أن يدعي أن ما جعله الله من الهدي لساكني الحرم لغيرهم ، إذ كان الله قد خص أن ذلك لمن به من أهل المسكنة . والصواب من القول في ذلك محل فدية المحصر ، أن الله أوجب على حالق رأسه من أذى من المحرمين فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، ولم يشترط أن ذلك عليه بمكان دون مكان ، بل أبهم ذلك وأطلقه ، ففي أي مكان نسك أو أطعم أو صام فيجزي عن المفتدي وذلك لقيام الحجة على أن الله إذ حرم أمهات نسائنا فلم يحصرهن على أنهن أمهات النساء المدخول بهن لم يحب أن يكن مردودات الأَحكام على الربائب المحصورات على أن المحرمة منهن المدخول بأمها ، فكذلك كل مبهمة في القرآن غير جائز رد حكمها على المفسرة قياسا ، ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منهما بما احتمله ظاهر التنزيل إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه ، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول ، إذ كان هو المبين عن مراد الله . وأجمعوا على أن الصيام مجزئ عن الحالق رأسه من أذى حيث صام من البلاد . واختلفوا فيما يجب أن يفعل بنسك الفدية من الحلق ، وهل يجوز للمفتدي الأَكل منه أم لا ؟ أكل نسك الفدية فقال بعضهم ليس للمفتدي أن يأكل منه ، ولكن عليه أن يتصدق بجميعه . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت عبد الملك ، عن عطاء ، قال : ثلاث لا يؤكل منهن : جزاء الصيد ، وجزاء النسك ، ونذر المساكين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام وهارون ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن عطاء قال : أكل نسك الفدية لا تأكل من فدية ، ولا من جزاء ، ولا من نذر ، وكل من المتعة ، ومن الهدي التطوع . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام وهارون ، عن عنبسة ، عن سالم ، عن مجاهد ، قال : أكل نسك الفدية جزاء الصيد والفدية والنذر لا يأكل منها صاحبها ، ويأكل من التطوع والتمتع . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون ، عن عمرو ، عن الحجاج ، عن عطاء ، قال : أكل نسك الفدية لا تأكل من جزاء ، ولا من فدية ، وتصدق به . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا ابن جريج ، قال : قال عطاء : أكل نسك الفدية لا يأكل من بدنته الذي يصيب أهله حراما والكفارات كذلك . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا عبد الملك والحجاج وغيرهما ، عن عطاء أكل نسك الفدية أنه كان يقول : لا يؤكل من جزاء الصيد ، ولا من النذر ، ولا من الفدية ، ويؤكل مما سوى ذلك . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن ليث ، عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا : أكل نسك الفدية لا يؤكل من الفدية . وقال مرة : من هدي الكفارة ، ولا من جزاء الصيد . وقال بعضهم : أكل نسك الفدية له أن يأكل منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر قال : أكل نسك الفدية لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ، ويؤكل مما سوى ذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي ليلى ، قال : من الفدية وجزاء الصيد والنذر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد ، قال : أكل نسك الفدية الشاة بين ستة مساكين يأكل منه إن شاء ، ويتصدق على ستة مساكين . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرني عبد الملك ، قال : ثني من سمع الحسن ، يقول : أكل نسك الفدية كل من ذلك كله ، يعني من جزاء الصيد والنذر والفدية . حدثني محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا خالد بن الحرث ، قال : ثنا الأَشعث عن الحسن أكل نسك الفدية أنه كان لا يرى بأسا بالأَكل من جزاء الصيد ونذر المساكين . وعلة من حظر على المفتدي الأَكل من فدية حلاقه وفدية ما لزمته منه الفدية أكل نسك الفدية ، أن الله أوجب على الحالق والمتطيب ومن كان بمثل حالهم فدية من صيام أو صدقة أو نسك ، فلن يخلو ذلك الذي أوجبه عليه من الإِطعام والنسك من أحد أمرين : إما أن يكون أوجبه عليه لنفسه أو لغيره أو له ولغيره ، فإن كان أوجبه لغيره فغير جائز له أن يأكل منه ، لأَن ما لزمه لغيره فلا يجزيه فيه إلا الخروج منه إلى من وجب له أو يكون له وحده ، وما وجب له فليس عليه لأَنه غير مفهوم في لغة أن يقال : وجب على فلان لنفسه دينار أو درهم أو شاة ، وإنما يجب له على غيره ، فأما على نفسه فغير مفهوم