محمد بن جرير الطبري

132

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الصفا والمروة . وإن اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى محل هدي المحصر . فهذا ما روي عن ابن عمر في الإِحصار بالمرض وما أشبهه ، وأما في المحصر بالعدو فإنه كان يقول فيه بنحو القول الذي ذكرناه قبل عن مالك بن أنس أنه كان يقوله . حدثني تميم بن المنتصر ، قال : ثنا عبد الله بن نمير ، قال : أخبرنا عبيد الله ، عن نافع : أن ابن عمر أراد الحج حين نزل الحجاج بابن الزبير فكلمه ابناه سالم وعبيد الله ، فقالا : لا يضرك أن لا تحج العام ، إنا نخاف أن يكون بين الناس قتال فيحال بينك وبين البيت . قال : إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حال كفار قريش بينه وبين البيت فحلق ورجع محل هدي المحصر . وأما ما ذكرناه عنهم في العمرة من قولهم إنه لا إحصار فيها ولا حصر ، فإنه : حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثني هشيم ، عن أبي بشر ، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير أنه أهل بعمرة فأحصر إحصار ، قال : فكتب إلى ابن عباس وابن عمر ، فكتبا إليه أن يبعث بالهدي محل هدي المحصر ، ثم يقيم حتى يحل من عمرته . قال : فأقام ستة أشهر أو سبعة أشهر . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا يعقوب ، عن أبي العلاء بن الشخير ، قال : خرجت معتمرا فصرعت عن بعيري فكسرت رجلي إحصار . فأرسلنا إلى ابن عباس وابن عمر نسألهما ، فقالا : إن العمرة ليس لها وقت كوقت الحج ، لا تحل حتى تطوف بالبيت ، قال : فأقمت بالدثينة أو قريبا منه سبعة أشهر أو ثمانية أشهر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثني مالك ، عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال : خرجت إلى مكة ، حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي إحصار ، فأرسلت إلى مكة إلى عبد الله بن عباس ، وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس ، فلم يرخص لي أحد أن أحل ، فأقمت على ذلك إلى سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن شهاب في رجل أصابه كسر وهو معتمر الإِحصار ، قال : يمكث على إحرامه حتى يأتي البيت ويطوف به وبالصفا والمروة ، ويحلق أو يقصر ، وليس عليه شيء . وأولى هذه الأَقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال : إن الله عز وجل عنى بقوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ الإِحصار كل محصر في إحرام بعمرة كان إحرام المحصر أو بحج ، وجعل محل هديه الموضع الذي أحصر فيه محل هدي المحصر ، وجعل له الإِحلال من إحرامه ببلوغ هديه محله . وتأول بالمحل المنحر أو المذبح ، وذلك حين حل نحره أو ذبحه في حرم كان أو في حل ، وألزمه قضاء ما حل منه من إحرامه قبل إتمامه إذا وجد إليه سبيلا ، وذلك لتواتر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صد عام الحديبية عن البيت وهو محرم وأصحابه بعمرة ، فنحر هو وأصحابه بأمره الهدي ، وحلوا من إحرامهم قبل وصولهم إلى البيت ، ثم قضوا إحرامهم الذي حلوا منه في العام الذي بعده . ولم يدع أحد من أهل العلم بالسير ولا غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدا من أصحابه أقام على إحرامه انتظارا للوصول إلى البيت والإِحلال بالطواف به وبالسعي بين الصفا والمروة ، ولا يخفى وصول هديه إلى الحرم . فأولى الأَفعال أن يقتدى به ، فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يأت بحظره خبر ، ولم تقم بالمنع منه حجة . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان أهل العلم مختلفين فيما اخترنا من القول في ذلك ، فمن متأول معنى الآية تأويلنا ، ومن مخالف ذلك ، ثم كان ثابتا بما قلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النقل كان الذي نقل عنه أولى الأَمور بتأويل الآية ، إذ كانت هذه الآية لا يتدافع أهل العلم أنها يومئذ نزلت وفي حكم صد المشركين إياه عن البيت أوحيت . وقد روي بنحو الذي قلنا في ذلك خبر . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثني الحجاج بن أبي عثمان ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، أن عكرمة مولى ابن عباس حدثه ، قال : حدثني الحجاج بن عمرو الأَنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الإِحصار " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " قال : فحدثت ابن عباس وأبا هريرة بذلك ، فقالا : صدق . حدثني يعقوب ، قال : ثنا مروان ، قال : ثنا حجاج الصواف ، وحدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا سفيان بن حبيب ، عن الحجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن الحجاج بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، وعن ابن عباس وأبي هريرة . ومعنى هذا الخبر 000 أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى " الأَمر