محمد بن جرير الطبري

125

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مجاهد وعطاء ، عن ابن عباس مثل حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم 000 أنه قال : الحصر : حصر العدو ، فيبعث الرجل بهديته ، إلا أنه قال : فإنه يبعث بها ويحرم من يوم واعد فيه صاحب الهدية إذا اشترى . الإِحصار ثم ذكر سائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم . وقال مالك بن أنس : " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل وأصحابه بالحديبية ، فنحروا الهدي ، وحلقوا رؤوسهم ، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت ، وقبل أن يصل إليه الهدي ، ثم لم نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء " . حدثني بذلك يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب عنه . قال : وسئل مالك عمن أحصر الإِحصار بعدو وحيل بينه وبين البيت ؟ فقال : يحل من كل شيء ، وينحر هديه ، ويحلق رأسه حيث يحبس ، وليس عليه قضاء إلا أن يكون لم يحج قط ، فعليه أن يحج حجة الإِسلام . قال : والأَمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو بمرض أو ما أشبهه ، أن يبدأ بما لا بد منه ، ويفتدي ، ثم يجعلها عمرة ، ويحج عاما قابلا ويهدي وعلة من قال هذه المقالة أعني من قال قول مالك أن هذه الآية نزلت في حصر المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت ، فأمر الله نبيه ومن معه بنحر هداياهم والإِحلال . قالوا : فإنما أنزل الله هذه الآية في حصر العدو ، فلا يجوز أن يصرف حكمها إلى غير المعنى الذي نزلت فيه . قالوا : وأما المريض ، فإنه إذا لم يطق لمرضه السير حتى فاتته عرفة ، فإنما هو رجل فاته الحج ، عليه الخروج من إحرامه بما يخرج به من فاته الحج ، وليس من معنى المحصر الإِحصار الذي نزلت هذه الآية في شأنه . وأولى التأويلين بالصواب في قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ تأويل من تأوله بمعنى : فإن أحصركم خوف عدو أو مرض أو علة عن الوصول إلى البيت ، أي صيركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم ، فتحبسونها عن النفوذ لما أوجبتموه على أنفسكم من عمل الحج والعمرة . فلذا قيل " أحصرتم " ، لما أسقط ذكر الخوف والمرض . يقال منه : أحصرني خوفي من فلان عن لقائك ، ومرضي عن فلان ، يراد به : جعلني أحبس نفسي عن ذلك . فأما إذا كان الحابس الرجل والإِنسان ، قيل : حصرني فلان عن لقائك ، بمعنى حبسني عنه . فلو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فإن حبسكم حابس من العدو عن الوصول إلى البيت ، لوجب أن يكون : فإن حصرتم . ومما يعين صحة ما قلناه من أن تأويل الآية مراد بها إحصار غير العدو وأنه إنما يراد بها الخوف من العدو ، قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ والأَمن إنما يكون بزوال الخوف . وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الإِحصار الذي عنى الله في هذه الآية هو الخوف الذي يكون بزواله الأَمن . وإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن حبس الحابس الذي ليس مع حبسه خوف على النفس من حبسه داخلا في حكم الآية بظاهرها المتلو ، وإن كان قد يلحق حكمه عندنا بحكمه من وجه القياس من أجل أن حبس من لا خوف على النفس من حبسه ، كالسلطان غير المخوفة عقوبته ، والوالد وزوج المرأة ، إن كان منهم أو من بعضهم حبس ، ومنع عن الشخوص لعمل الحج ، أو الوصول إلى البيت بعد إيجاب الممنوع الإِحرام ، غير داخل في ظاهر قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ لما وصفنا من أن معناه : فإن أحصركم خوف عدو ، بدلالة قوله : فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وقد بين الخبر الذي ذكرنا آنفا عن ابن عباس أنه قال : الحصر : حصر العدو . وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآية لما وصفنا ، وكان ذلك منعا من الوصول إلى البيت ، فكل مانع عرض للمحرم فصده عن الوصول إلى البيت ، فهو له نظير في الحكم . ثم اختلف أهل العلم في تأويل قوله : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هدي المحصر فقال بعضهم : هو شاة . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبد الحميد بن بيان القناد ، قال : أخبرنا إسحاق الأَزرق ، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هدي المحصر شاة . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، وحدثنا عبد الحميد ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا سفيان ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هدي المحصر شاة . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد عن ابن عباس ، مثله . حدثني ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن النعمان بن مالك ، قال : تمتعت فسألت ابن عباس فقال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هدي المحصر قال : قلت شاة ؟ قال : شاة . حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : ثنا إسحاق ، عن شريك ، عن أبي إسحاق ، عن النعمان بن مالك ، قال : سألت ابن عباس