محمد بن جرير الطبري

122

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ يقول : أقيموا الحج والعمرة . حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا إسرائيل ، عن ثوير ، عن أبيه أبو ثوير ، عن علي : " وأقيموا الحج وحكم العمرة للبيت " ثم هي واجبة مثل الحج . حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا إسرائيل ، قال : ثنا ثوير ، عن أبيه أبو ثوير ، عن عبد الله : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " ثم قال عبد الله : والله لولا التحرج وأني لم أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئا ، لقلت إن حكم العمرة واجبة مثل حكم الحج . وكأنهم عنوا بقوله : أقيموا الحج والعمرة : ائتوا بهما بحدودهما وأحكامهما على ما فرض عليكم . وقال آخرون ممن قرأ قراءة هؤلاء بنصب العمرة : حكم العمرة تطوع . ورأوا أنه لا دلالة على وجوبها في نصبهم العمرة في القراءة ، إذ كان من الأَعمال ما قد يلزم العبد عمله وإتمامه بدخوله فيه ، ولم يكن ابتداء الدخول فيه فرضا عليه ، وذلك كالحج التطوع لا خلاف بين الجميع فيه أنه إذا أحرم به أن عليه المضي فيه وإتمامه ولم يكن فرضا عليه ابتداء الدخول فيه . وقالوا : فكذلك العمرة غير فرض واجب الدخول فيها ابتداء ، غير أن على من دخل فيها وأوجبها على نفسه إتمامها بعد الدخول فيها . قالوا : فليس في أمر الله بإتمام الحج والعمرة دلالة على وجوب فرضها . قالوا : وإنما أوجبنا فرض الحج بقوله عز وجل : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وممن قال ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت سعيد بن أبي عروبة ، عن أبي معشر عن إبراهيم ، قال : قال عبد الله : حكم الحج فريضة ، وحكم العمرة تطوع . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن أبي عروبة ، عن أبي معشر ، عن النخعي ، عن ابن مسعود مثله . وحدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن عثمة ، قال : ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن سعيد بن جبير ، قال : العمرة ليست بواجبة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيره ، عن سماك ، قال : سألت إبراهيم عن حكم العمرة فقال : سنة حسنة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، مثله . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، قال : ثنا عبد الله بن عون ، عن الشعبي ، قال : حكم العمرة تطوع . فأما الذين قرءوا ذلك برفع " العمرة " فإنهم قالوا : لا وجه لنصبها ، فالعمرة إنما هي زيارة البيت ، ولا يكون مستحقا اسم معتمر إلا وهو له زائر ؛ قالوا : وإذا كان لا يستحق اسم معتمر إلا بزيارته ، وهو متى بلغه فطاف به وبالصفا والمروة ، فلا عمل يبقى بعده يؤمر بإتمامه بعد ذلك ، كما يؤمر بإتمامه الحاج بعد بلوغه والطواف به وبالصفا والمروة بإتيان عرفة والمزدلفة ، والوقوف بالمواضع التي أمر بالوقوف بها وعمل سائر أعمال الحج الذي هو من تمامه بعد إتيان البيت لم يكن لقول القائل للمعتمر أتم عمرتك وجه مفهوم ، وإذا لم يكن له وجه مفهوم . . فالصواب من القراءة في حكم العمرة الرفع على أنه من أعمال البر لله ، فتكون مرفوعة بخبرها الذي بعدها ، وهو قوله : لِلَّهِ . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا ، قراءة من قرأ بنصب العمرة على العطف بها على الحج ، بمعنى الأَمر بإتمامهما له . ولا معنى لاعتلال من اعتل في رفعها بأن العمرة زيارة البيت ، فإن المعتمر متى بلغه ، فلا عمل بقي عليه يؤمر بإتمامه ، وذلك أنه إذا بلغ البيت فقد انقضت زيارته وبقي عليه تمام العمل الذي أمره الله به في اعتماره ، وزيارته البيت ؛ وذلك هو الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، وتجنب ما أمر الله بتجنبه إلى إتمامه ذلك ، وذلك عمل وإن كان مما لزمه بإيجاب الزيارة على نفسه غير الزيارة . هذا مع إجماع الحجة على قراءة العمرة بالنصب ، ومخالفة جميع قراء الأَمصار قراءة من قرأ ذلك رفعا ، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على خطأ من قرأ ذلك رفعا . وأما أولى القولين اللذين ذكرنا بالصواب في تأويل قوله : وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ على قراءة من قرأ ذلك نصبا فقول عبد الله بن مسعود ، ومن قال بقوله من أن معنى ذلك : وأتموا الحج وحكم العمرة لله إلى البيت بعد إيجابكم إياهما لا أن ذلك أمر من الله عز وجل بابتداء عملهما والدخول فيهما وأداء عملهما بتمامه بهذه الآية ، وذلك أن الآية محتملة للمعنيين اللذين وصفنا من أن يكون أمرا من الله عز وجل بإقامتهما ابتداء وإيجابا منه على العباد فرضهما ، وأن يكون أمرا منه بإتمامهما بعد الدخول فيهما ، وبعد إيجاب موجبهما على نفسه ، فإذا